كيف نثبت الإنسان على أرضه؟

اليوم، في جلسة عصف ذهني غير مخطط لها، جمعتني بمجموعة من الاصدقاء الخبراء الذين أحبوا الوطن بتاريخهم النضالي الطويل، وما زالوا يحبونه بطريقة عملية وعاطفية. تناقشنا عن محور نضعه كعنوان لورشة عمل، يكون، في آن واحد، أولوية للمواطن القلق، وللمسؤول الذي يبحث عن شيء ملموس يضعه على طاولة الإنجاز. وضعنا أمامنا عناوين كثيرة، وكأننا نفتح ملفات قديمة متراكمة: بعضها شخص الوضع الاقتصادي العام في تشخيصه المريع، وبعضها تساءل عن المالية العامة وأدائها المتعثر، ومحور انصب على الغلاء والفقر وهما التوأمان اللذان لا يفارقان البيوت الفلسطينية، وآخر تناول البطالة وقدرة اقتصادنا الهش على خلق فرص عمل حقيقية لا صورية، وواحد منها أثار حفيظة الجميع حين تحدث عن صندوق الاستثمار الفلسطيني ودوره المفقود. ومحور آخر تحدث عن السياسة المالية للحكومة، ومخالفتها لأبسط الأدبيات الاقتصادية الراسخة، ومحور لم يقلبه أحد، بل بقي معلقاً في الهواء، يتعلق بالقطاع الخاص: هل هو حقاً شريك في الصمود، أم أن بعض أبنائه، للأسف، قد أعماهم الجشع والربح السريع، حتى صاروا شركاء للمحتل في صفقات قاتمة لا يعرف أحد تفاصيلها، ولا يستطيع أحد تتبع خيوطها في متاهات المال؟ تحدثنا عن قطاعات كبرى، قطاعات كانت تفترس الاقتصاد من الداخل، لا يعرف أحد لمن تبيع، ولا كيف تقبض أموالها، ولا كيف يدخل مالها إلى القطاع المالي الفلسطيني. وتحدثنا عن الكارثة التي عشناها لسنوات طويلة، حين كان ثلث احتياجاتنا من المحروقات يدخل عبر التهريب. ثم كان حديثنا عن اتفاق باريس، ذلك الإطار العتيق، وما له وما عليه، وعن الإصلاح المطلوب بشدة، والمدى المسموح لنا بالذهاب إليه، والحدود التي رسمها الآخرون لنا قبل أن نرسمها بأنفسنا. ثم انتقلنا إلى القطاع الخاص الفلسطيني في المهجر، أولئك الذين نجحوا حيث فشلنا، وتساءلنا كيف يمكن أن يصبحوا شركاء حقيقيين في بناء هذا الوطن.
غادرت الجلسة متجها إلى محاضرتي في الجامعة، وهناك، عاد إليّ النقاش من بابه الخلفي، كسؤال نافذ يعلو على كل التفاصيل التي عددناها: هل لدينا، نحن الفلسطينيون، مؤسسات اقتصادية، على كثرتها وتعددها وتنوعها، تستطيع أن تضع سياسة ناجحة واحدة، ولو لمحور واحد فقط، ولو لمرة واحدة في العمر؟
على مدى أكثر من ثلاثة عقود، أسسنا مؤسسات اقتصادية، رسمية وغير رسمية، اتحادات ومراكز وجمعيات وهيئات، ولم يبق اسم معروف أو نموذج شهير في العالم إلا واستنسخناه. جلبنا الاسم، وبنينا الجسم المؤسسي، وأنشأنا المكاتب، وانتخبنا مجالس الإدارات والهياكل التنفيذية التي تتصارع على الكراسي أكثر مما تتصارع على الأفكار، وخصخصنا قطاعات كاملة تحت حجة أن هذا هو الطريق الأفضل والأكثر حداثة، وحصرنا العمل في بعضها بمؤسسات حكومية أو شبه حكومية. ورغم كل هذا الجهد الضخم، ورغم كل هذه الأموال التي صرفت على الرواتب والمكاتب والمؤتمرات، يبقى السؤال قائماً: هل استطاعت واحدة فقط من مؤسساتنا الاقتصادية أن تضع خطة ناجحة حقاً، قابلة للتنفيذ على أرض الواقع، لمحور واحد فقط من تلك المحاور التي عددناها؟
هنا، وأنا أطرح هذا السؤال، لا أتحدث عن المسبب الأساس لكافة أصول معاناتنا، وهو الاحتلال، فهذه حقيقة قائمة ومستمرة، ولا نحتاج إلى تكرارها في كل جلسة كذريعة لكل فشل. الحديث هنا، في هذا السياق بالذات، هو عن الكفاءة الداخلية، عن الجهد البشري والمالي الذي صرفناه نحن. أتساءل عن مخرجات جهود ضخمة، وعن مبالغ طائلة أنفقت على مدار عقود، هل كانت هذه المخرجات ناجحة؟ لا أجرؤ حتى أن أقول كفؤة. هل نجحت المؤسسة التي أنشئت خصيصاً لدعم الموازنة العامة عبر استثمارات خارجية في هدفها، أم نجحت في دعم النشاطات الفنية أكثر مما نجحت في دعم الاقتصاد، وزاحمت القطاع الخاص الصغير، بدلاً من أن تكمله وتحرس ظهره؟ وهل نجحت شركات الاتصالات الخاصة الكبرى، ومن ورائها المؤسسات الناظمة لعملها، في بناء شبكة فلسطينية مستقلة بذاتها، تليق بدولة ناشئة، أم أنها رضيت بتوفير بضعة ملايين من الدولارات سنوياً، والعمل عند الحد الأدنى من المتطلبات لا الحد الأعلى من الطموح، وسلمت أغلب أعمال الصيانة لمقاسمها الإلكترونية لشركات أجنبية مقارها داخل الخط الأخضر، وكأننا مجرد سوق استهلاكي لا دولة ذات سيادة؟ وهل بنينا قطاع عاما كفؤ ، أم أن الموازنة العامة تستنزفها المصاريف الجارية، وفي مقدمتها الرواتب التي تنمو، رغم قرارات متكررة ومعلنة بوقف التوظيف، ورغم الوعود الكثيرة بترشيق الجهاز الحكومي، وهل عرفنا طعم التقشف الحقيقي في مؤسساتنا العامة، أم أن التقشف لا يزال شعار نخبئه في الأدراج عندما نشتري الديكورات الفاخرة، والمكيفات التي لا تطفأ، والسيارات الرسمية؟
وللتأكيد، لست في معرض اتهام لشخص بعينه أو مؤسسة لذاتها، ولا هو جلد للذات. لكن أي علاج حقيقي يبدأ بتشخيص صادق، وبتحديد أسباب المرض بدقة الجراح الذي يمسك بالمشرط، لا بدقة الخطيب الذي يمسك بالمنبر. أما الاستمرار في إنكار المرض، أو تبريره بظروف خارجة عن إرادتنا، فلن يقود أي جسم مريض إلى الشفاء، لا بالدعاء وحده، ولا بعقد الندوات الحاشدة التي تنتهي بتوصيات تلقى في سلة المهملات، ولا بمناقشة التحديات وكأننا في ندوة فكرية، بينما المواطن يعاني وأصبحت الهجرة خياره الأقرب.
فلسطين اليوم، قبل الغد، وقبل أن نفكر في أي مشروع سياسي أو أي تفصيل اقتصادي، هي بحاجة ماسة إلى أن تعمل نحو هدف واحد هو أسمى من كل التفاصيل التي نتناقش فيها، هدف لا يحتمل التأويل: كيف نثبت هذا الإنسان على أرضه؟ كيف نمنعه من التفكير في الهجرة كلما تأخر الراتب، أو ارتفع السعر، أو شعر بأنه يعيش في دولة وهمية لا دولة حقيقية؟
هذا هو السؤال المحوري، السؤال الأم الذي تلد منه كل الأسئلة الأخرى. والاقتصاد وحده، بطبيعة الحال، لا يستطيع أن يجيب عليه بشكل كامل، فهو سؤال وجودي وسياسي واجتماعي بامتياز، لكن الاقتصاد هو العمود الفقري لأي إجابة ممكنة، لأن الإنسان لا يهاجر من أرضه وهو يملك فرصة عمل كريمة تكفيه هو وعائلته، وسقف يحميه من غلاء الجنون، ومؤسسة يثق بها وبأنها تحفظ حقه، ولا تستهلك وقته وجهده في الروتين العقيم. والإجابة عن هذا السؤال المصيري لا تمر عبر شعارات براقة، بل تمر عبر ثلاثة أسئلة فرعية، لكل منها آلياتها المحددة، ولكل منها طريقتها القاسية التي لا تعترف بالمجاملة.
كيف نبدأ إذاً؟ نبدأ بأداة واحدة، بسيطة: مراجعة أداء كل مؤسسة اقتصادية قائمة، مراجعة لا تكون عبر تقارير سردية رنانة تحتفي بعدد الاجتماعات التي عقدت وعدد المشاركين الذين حضروا وعدد البروتوكولات التي وقعت، بل عبر مؤشرات إنجاز واضحة، صارمة. سؤال واحد فقط، يوجه إلى كل مؤسسة على حدة: ما هي السياسة الواحدة التي وضعتها ونفذتها بنجاح خلال السنوات الخمس الماضية، وما هو أثرها القابل للقياس على حياة المواطن العادي؟ من لا يملك إجابة واضحة، أو من يلف ويدور في الإجابة، يعاد النظر في مهمته بالكامل، إما بالدمج مع مؤسسة أخرى أكثر كفاءة، أو بالتفكيك وإعادة التوزيع، لا أن نكتفي بتغيير اسمه على الورق فقط. هذا النوع من المراجعة العنيفة ليس وليد خيال، بل عرفته دول كثيرة مرت بظروف إعادة بناء مشابهة لظروفنا، حين أخضعت مؤسساتها التنموية لمراجعات دورية صارمة، ربطت التمويل والاستمرارية بالنتائج الملموسة لا بالاستمرارية التلقائية التي تعتمد على قدم المؤسسة، فكانت النتيجة أن تراجع عدد المؤسسات الشكلية التي تستهلك المال، وارتفع أداء ما تبقى منها بشكل لافت.
ومن أين نبدأ تحديدا، في خضم هذه الفوضى المؤسسية؟ نبدأ من صندوق الاستثمار الفلسطيني بالذات، ليس لأنه الأكبر، بل لأنه يمثل النموذج الأوضح، والنموذج الأكثر إيلاماً، لتحول أداة تنموية مفترضة إلى أداة استهلاكية تلتهم الموارد. الآلية هنا يجب أن تكون محددة وحاسمة: فصل صريح وقاطع بين إدارة الأصول واستثمارها من جهة، وبين أي مهمة سياسية أو اجتماعية موازية يقوم بها الصندوق من جهة أخرى، مع مجلس إدارة يكون مستقل فعليا لا شكليا، مع نشر تقرير مالي مدقق سنويا، لا يبقى في أدراج الدائرة الضيقة، بل يصل إلى المواطن العادي الذي دفع ثمن هذه المؤسسة من جيبه. صناديق سيادية في دول أخرى، أكبر منا وأصغر، نجحت حين التزمت بهذا الفصل الصارم بين الملكية العامة والإدارة المهنية المستقلة، وفشلت فشلا ذريعا كلما تحولت إلى ذراع لتمويل سياسي مقنع، أو إلى أداة لإنفاق الأموال في مشاريع نخبوية لا تمس حياة الفقير.
ولا نقف عند الصندوق فقط، بل نمضي إلى شركات القطاع الخاص الكبرى التي تحتكر القطاعات الاستراتيجية، كالاتصالات والمحروقات والاستيراد، تلك الشركات التي يجب أن تخضع، وبحزم، لالتزام إفصاح واضح وكامل عن هيكل ملكيتها وعقودها الرئيسية، وأن يكون هذا الإفصاح أمام هيئة رقابية مستقلة حقا، لا أمام الجهة التي تنظمها وتراقبها وتتشارك معها في المصالح في الوقت نفسه.
ثم نمضي إلى الموازنة العامة، ونبدأ ببند الرواتب أولاً، عبر سقف زمني معلن وملزم، لوقف أي توظيف جديد خارج القطاعات الحيوية التي لا غنى عنها، وذلك مقابل حوافز حقيقية، لا شكلية، لتشجيع الانتقال من القطاع العام المتضخم إلى القطاع الخاص المنتج الذي يحتاج إلى أيدٍ عاملة وعقول مبدعة.
وبأي طريقة نطبق كل هذا؟ نطبقه بالشفافية أولاً، وبكل ما تحمله الكلمة من معنى، فالمواطن الذي يعرف بالضبط أين تذهب أموال بلده، ومن يستفيد منها، ولماذا، يكون أكثر ثبات على أرضه وأكثر تمسك بوطنه من ذلك المواطن الذي يشك في كل شيء، ولا يملك أي تفسير لما يحدث. وهذا يبدأ بمنصة معلومات عامة جريئة تنشر عقود القطاعات الاستراتيجية كاملة، وتنشر موازناتها التنفيذية بالتفصيل، ولا تكتفي بالوعد بنشرها في المستقبل القريب. ونطبقه بالمساءلة الحقيقية، لا بالمساءلة الشكلية التي تنتهي بتقرير يرفع إلى لجنة لا تعرف معنى المساءلة، من خلال ربط تجديد أي مسؤول تنفيذي في أي مؤسسة اقتصادية بمؤشر أداء معلن مسبقاً، فمن يفشل في مهمته يحاسب بصدق، ولا تتم مكافأته بنقله إلى موقع آخر أكثر هدوءا. ونطبقه بفتح باب حقيقي، ليس خطابي، أمام القطاع الخاص الفلسطيني في المهجر، هؤلاء الذين أثبتوا جدارتهم في أسواق العالم، عبر صندوق استثماري مشترك بإدارة مهنية مستقلة، ليكونوا شركاء حقيقيين في التمويل والإدارة، لا مجرد مصدر للتبرعات الموسمية التي تنتهي بانتهاء المناسبة، وذلك على غرار ما فعلته جاليات أخرى ،حين تم اشراكها باستثمارات مباشرة في مشاريع إنتاجية بضمانات واضحة وحوافز جذابة. ونطبقه أخيرا بقطاع عام يقاس بما ينتج من قيمة مضافة، لا بما يستهلك من أموال دافعي الضرائب، وتبدأ مراجعة هذا القطاع من أعلى الهرم لا من أسفله، لأن التقشف الذي يبدأ من مكتب الوزير هو الأصدق والأكثر تأثيرا، أما التقشف الذي يبدأ براتب أصغر موظف فهو مجرد مسرحية هزلية لا تخدع أحد.
الاحتلال قيد قائم وثقيل، هذا صحيح، ولا أحد يجادل في هذا الأمر. لكن داخل هذا القيد الكبير، توجد مساحة حقيقية، بل واسعة، للعمل الوطني الجاد. لقد أثبتت تجارب كثيرة في العالم، وكانت عبرة لنا، أن شعوبا أقل موارد منا، وأكثر تعقيدا في ظروفها التاريخية والجغرافية، استطاعت أن تبني مؤسسات تعمل وتنتج، لم يكن ذلك بمعجزة، بل لأنها اختارت الصدق مع نفسها قبل أي شيء آخر، واختارت آلية واحدة صارمة تربط كل مؤسسة بنتيجة يمكن قياسها ووزنها، لا بشعار يمكن ترديده في المهرجانات. والصدق هنا ليس شعاراً نرفعه، هو أن نقول بصوت واضح، لا يخافه أحد، ولا يتهرب منه مسؤول: لدينا مؤسسات كثيرة، بل وفرة مؤسسية، لكن القليل القليل منها هو الذي ينتج سياسة ناجحة واحدة على الأقل. ومن هذه النقطة بالذات، من هذا الاعتراف الموجع، لا من أي نقطة أخرى، يبدأ الطريق الحقيقي نحو مواطن يبقى في أرضه، ليس لأنه مجبر على البقاء، بل لأنه يجد في هذه الأرض ما يستحق البقاء من أجله، ما يستحق الحياة.




