استراتيجية وطنية واقعية لإسرائيل

ترجمة وتعليق اللواء أحمد عيسى
نشر معهد القدس يوم الثلاثاء الموافق – 11 أغسطس/آب 2026 دراسة مهمة للبروفيسور إفرايم عنبر حملت عنوان (استراتيجية وطنية واقعية لإسرائيل)، قال فيها:
تعتمد إسرائيل لتحقيق امنها على القوة العسكرية، ولكن أيضًا على إدراك حدود هذه القوة. ولذلك يجب أن تقوم الاستراتيجية الوطنية الواقعية على الحذر، والأهداف القابلة للتحقيق، والعلاقات الوثيقة مع واشنطن.
لقد أدى قيام دولة إسرائيل إلى تغيير تاريخ الشعب اليهودي. وبأي مقياس، كانت الدولة اليهودية نجاحًا استثنائيًا. ففي بيئة شديدة العداء، واجهت إسرائيل اختبارات قاسية ومتكررة، وبنت قدرات عسكرية هائلة، وأصبحت مركزًا لتجمع اليهود، وحققت الازدهار لمواطنيها. ومع ذلك، تظل إسرائيل صغيرة من حيث المساحة والسكان مقارنة بمعظم منافسيها في الشرق الأوسط، وحتى مع ازدهار اقتصادها تظل مواردها محدودة. ولذلك لا يمكن اعتبار بقاء إسرائيل على المدى الطويل أمرًا مضمونًا.
يتعين على إسرائيل أن تحافظ باستمرار على استعدادها للحرب وعلى خوض معركة الشرعية. وعلى الرغم من تفوقها العسكري، فإن هدف تحقيق السلام مع جميع جيرانها ظل بعيد المنال.
كثير من الدول التي وقعت اتفاقيات سلام رسمية مع إسرائيل ما زالت تعيش معها في إطار «سلام بارد»، مع تفاعل محدود بين المجتمعات. ومنذ 7 أكتوبر 2023، تخوض إسرائيل حربًا طويلة بصورة استثنائية على جبهات متعددة. وقد أضعفت عملياتها العسكرية خصومها بصورة كبيرة، وربما غيرت ميزان القوى الإقليمي إلى حد ما، لكن ضباب الحرب لا يزال قائمًا والنتيجة النهائية غير محسومة.
وتُظهر تجربة السنوات الأخيرة مدى صعوبة تحقيق انتصارات سريعة وحاسمة في ساحات متعددة، حتى مع وجود الولايات المتحدة كشريك فاعل. ولذلك ينبغي لإسرائيل أن تعيد بصورة مستمرة تقييم استراتيجيتها الوطنية، ولا سيما مع اقتراب الحرب الطويلة من نهايتها.
وسنتناول هنا دراسة عنبر في النقاط التالية
أولًا: المنظور النظري
أفضل عدسة لفهم الاستراتيجية الوطنية الإسرائيلية، حسب عنبر، هي مفهوم «الدولة الصغيرة».
فالدول الصغيرة تعيش بصورة أكثر هشاشة من الدول الكبرى؛ إذ يعتمد أمنها على توازن القوى الإقليمي وعلى السياسة الدولية. وإسرائيل، رغم نجاحها في تعزيز عناصر قوتها، لا تستطيع التخلص من القيود التي يفرضها الحجم والمساحة والموارد.
كما أن الدولة الصغيرة لا تستطيع تحقيق الاكتفاء الذاتي. فالاقتصاد الإسرائيلي يعتمد على التجارة العالمية، والقوة العسكرية تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد أسلحة متقدمة من دول قادرة على إنتاجها بكميات ضخمة.
وهنا تبرز أهمية الولايات المتحدة.
فالقوة الإسرائيلية، وفق عنبر، ليست ناتجة فقط من موارد إسرائيل الذاتية، وإنما جزء منها «قوة مستعارة» من القوة الأمريكية.
ولهذا يجب على إسرائيل أن توائم أهدافها مع الموارد المتاحة لها، وأن تتجنب التمدد الاستراتيجي والمبالغة في تقدير قدرتها على تغيير البيئة الإقليمية.
ويستند عنبر إلى ديفيد بن غوريون وإلى الواقعية السياسية عند هانز مورغنثاو، مؤكدًا أن الحذر أو الحكمة السياسية (prudence) هي الفضيلة العليا في السياسة الدولية.
كما يحذر من «غرور النجاح»، ومن الاعتقاد بأن الانتصارات العسكرية يمكن أن تؤدي تلقائيًا إلى تغيير تاريخي دائم.
ولهذا ينبغي التعامل بحذر مع عبارات مثل «النصر الكامل» على حماس أو «لقد غيرنا الشرق الأوسط».
فالنجاحات العسكرية الإسرائيلية ضد حماس وحزب الله، والضربات ضد إيران، وتحسين الوضع الأمني على بعض الحدود، كلها إنجازات مهمة، لكنها لا تعني أن الشرق الأوسط قد تغير بصورة جوهرية.
ثانيًا: الشرق الأوسط لا يتغير بسرعة
هذه إحدى أهم أفكار الورقة.
يرى عنبر أن الافتراض الأساسي للاستراتيجية الإسرائيلية يجب أن يكون أن:
الشرق الأوسط لا يتغير بسرعة.
فالمنطقة، في رأيه، شديدة المقاومة للتغيير.
ولم تؤدِ التجارب الاستعمارية، أو التدخل الغربي الطويل، إلى تغيير جوهري في طريقة تفكير الفاعلين المحليين.
ولا تزال دول المنطقة:
* تنظر إلى بعضها باعتبارها تهديدات؛
* تتسلح باستمرار؛
* تعتبر القوة أداة مشروعة؛
* تعاني من التطرف الديني والإرهاب؛
* تواجه مشكلة الانتشار النووي؛
* وتعيش في بيئة تضعف فيها سلطة الدولة أمام الميليشيات.
ومن ثم، فإن إسرائيل لا ينبغي أن تبني استراتيجيتها على افتراض أن المنطقة ستتحول قريبًا إلى نظام إقليمي مستقر وسلمي.
ثالثًا: أربعة اتجاهات دولية
يحدد عنبر أربعة تطورات أساسية:
1. الولايات المتحدة لم تنسحب من الشرق الأوسط
رغم كل الحديث عن التراجع الأمريكي، يرى عنبر أن الولايات المتحدة لا تزال القوة العظمى الأساسية.
فهي ما زالت حاضرة عسكريًا، وما زالت تمتلك القدرة على إسقاط القوة عبر مسافات بعيدة.
والأهم:
لا يوجد بديل حقيقي لواشنطن بالنسبة لإسرائيل.
لكن عنبر يحذر في الوقت نفسه من اعتبار التحالف مضمونًا إلى الأبد.
فالاستقطاب السياسي داخل الولايات المتحدة، والتحولات الديموغرافية، وتغير الرأي العام تجاه إسرائيل، كلها عوامل ينبغي أخذها بجدية.
لذلك يجب على إسرائيل:
ألا تنحاز بصورة حصرية إلى طرف واحد من السياسة الأمريكية، وأن تستعد لـ«يوم ممطر».
٢- الإسلام الراديكالي لم ينته
يرى عنبر أن هزيمة أو إضعاف المحور الشيعي الذي تقوده إيران لا يعني نهاية الإسلام السياسي الراديكالي.
بل إنه يرى ظهور محور سني راديكالي جديد تقوده تركيا، بدعم من قطر.
وهنا يقدم عنبر واحدة من أهم أفكار الورقة:
إيران قد تتراجع، لكن الفراغ الذي تتركه قد لا يكون فراغًا، وإنما قد تمتلئ به تركيا.
ويعتبر أن تركيا بقيادة أردوغان تمثل نسخة تركية من حركة الإخوان المسلمين، ممزوجة بطموح لاستعادة مكانة الإمبراطورية العثمانية.
ومن هنا يرى إمكانية تحول تركيا إلى منافس إقليمي رئيسي لإسرائيل بدل إيران.
٣- خطر الانتشار النووي
يرى عنبر أن الحرب على إيران لم تنه المشكلة النووية، وأن احتمال انتشار السلاح النووي في الشرق الأوسط أصبح أخطر.
ويذكر تحديدًا:
* السعودية؛
* تركيا؛
* مصر؛
* وربما الإمارات.
وإذا أصبح الشرق الأوسط متعدد القوى النووية، فإن ذلك سيكون، حسب عنبر، كابوسًا استراتيجيًا لإسرائيل.
والسبب أن الردع النووي المستقر الذي عرفته القوى العظمى قد لا يعمل بالضرورة في بيئة شرق أوسطية تتسم بالاندفاع الديني، وسوء التقدير، وضعف المؤسسات.
ولهذا يدافع عن العودة إلى مبدأ بيغن: منع ظهور القدرات النووية المعادية في مهدها.
٤- تدهور البيئة الدولية لإسرائيل
يرى عنبر أن إسرائيل تواجه تزايدًا في العزلة الدولية ومعاداة السامية.
لكنه يرفض المبالغة في الحديث عن «عزلة إسرائيل».
فإسرائيل، حسب رأيه، لا تزال تمتلك أوراقًا مهمة في:
* التكنولوجيا العسكرية؛
* الأمن السيبراني؛
* الطب؛
* الزراعة؛
* المياه؛
* الاتصالات.
كما أن أهمية الدول العربية في النظام الدولي تراجعت مقارنة بعقد السبعينيات.
لكن استمرار التدهور في الشرعية الدولية يمكن أن يصبح مشكلة حقيقية على المدى الطويل.
رابعًا: جوهر الاستراتيجية المقترحة
هنا تصل الورقة إلى أهم استنتاجاتها:
يجب أن يكون التنسيق الاستراتيجي مع الولايات المتحدة هو الأولوية العليا للاستراتيجية الإسرائيلية.
عنبر يرى أن إسرائيل دولة صغيرة، وأن القوة العسكرية الإسرائيلية، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها.
القوة الإسرائيلية تحتاج إلى:
الغطاء الدبلوماسي الأمريكي + السلاح الأمريكي + القوة العسكرية الإسرائيلية + التفوق التكنولوجي.
لكنه في الوقت نفسه يدعو إسرائيل إلى الحفاظ على أكبر قدر ممكن من حرية العمل والاستقلالية.
فالعلاقة مع واشنطن ليست علاقة تطابق مصالح.
خامسًا: إسرائيل لا تستطيع تغيير الشرق الأوسط
هذه نقطة مركزية جدًا.
يرفض عنبر فكرة أن إسرائيل تستطيع:
* إعادة تشكيل الشرق الأوسط؛
* فرض السلام؛
* تغيير الأنظمة السياسية؛
* القضاء نهائيًا على حماس أو حزب الله؛
* تغيير المجتمع الفلسطيني؛
* أو تحويل إيران إلى دولة مختلفة بالقوة.
فالهدف الواقعي، في رأيه، هو:
حرمان الخصم من قدراته وأهدافه، وليس القضاء عليه نهائيًا.
ومن هنا يعود إلى مفهوم «جز العشب».
سادسًا: «جز العشب» هو الاستراتيجية الواقعية
وفق عنبر، عندما لا يوجد حل سياسي قابل للتحقيق، تصبح الاستراتيجية الواقعية هي:
إضعاف الخصم بصورة دورية، ردعه، وإطالة الفترات بين جولات الحرب.
أي أن إسرائيل لا تنتظر «النهاية» النهائية للصراع.
بل:
1. تراقب نمو التهديد؛
2. تضرب عندما يصبح خطرًا؛
3. تدمر جزءًا من قدراته؛
4. تستعيد الردع؛
5. تنتظر الجولة التالية.
ولهذا فإن «النصر الكامل» ليس هدفًا واقعيًا.
ويرى عنبر أن 7 أكتوبر حدث، جزئيًا، لأن إسرائيل لم تمارس جز العشب في غزة بما يكفي، مما سمح لحماس ببناء قدراتها.
ويطبق المنطق نفسه على حزب الله.
سابعًا: الردع وليس الانتصار
الهدف الإسرائيلي الواقعي، حسب عنبر، هو:
جعل تكلفة الهجوم أعلى من الفائدة المتوقعة منه.
لكن الردع ليس مضمونًا.
فالخصوم قد يكونون مستعدين لدفع أثمان مرتفعة جدًا بسبب دوافع دينية أو أيديولوجية.
ولذلك يجب أن تكون إسرائيل مستعدة دائمًا لفشل الردع.
ثامنًا: القضية الفلسطينية
هنا يتخذ عنبر موقفًا شديد الواقعية.
يرى أن التسوية الفلسطينية الإسرائيلية غير ممكنة في الوقت الراهن.
والسبب، حسب تحليله:
* الطرفان لم يصلا إلى مرحلة الإنهاك الكافية؛
* العداء الفلسطيني لإسرائيل لا يزال مرتفعًا؛
* المطالب الفلسطينية القصوى غير مقبولة إسرائيليًا؛
* السلطة الفلسطينية ضعيفة؛
* ولا توجد جهة فلسطينية تحتكر استخدام القوة.
ولهذا يفضل عنبر:
إدارة الصراع Conflict Management بدل حل الصراع Conflict Resolution.
أي:
خفض تكلفة الصراع، وليس إنهاء الصراع.
وتشمل إدارة الصراع:
* تقليص الإرهاب؛
* المحافظة على التنسيق مع واشنطن؛
* الحفاظ على الجبهة الداخلية؛
* انتظار تغيرات مستقبلية في المواقف الفلسطينية.
وهذه نقطة مهمة جدًا في سياق نقاشنا السابق حول مستقبل النظام السياسي الفلسطيني.
تاسعًا: تحذير من الضم والتوسع
عنبر ينتقد أيضًا الاتجاهات الإسرائيلية التي تدعو إلى ضم الضفة الغربية أو إقامة مستوطنات جديدة في مناطق مأهولة بالفلسطينيين.
ويرى أن هذه السياسات تمثل توسعًا يتجاوز قدرة إسرائيل على تحمل تكاليفه.
فالضم، في رأيه:
* يهدد الأغلبية اليهودية؛
* يضر بالعلاقة مع الولايات المتحدة؛
* يصعّب العلاقات مع الدول العربية؛
* ويزيد العزلة الدولية.
وهنا تظهر بوضوح فكرة الواقعية الديموغرافية.
عاشرًا: إسرائيل يجب أن تبقى قوية عسكريًا
الواقعية عند عنبر لا تعني نزع السلاح أو التراجع.
بل العكس.
إسرائيل بحاجة إلى:
* جيش أكبر؛
* قدرة على القتال في عدة جبهات؛
* دفاع جوي متعدد الطبقات؛
* تفوق تكنولوجي؛
* قدرات استخباراتية؛
* ضربات استباقية؛
* واستعداد لحروب استنزاف طويلة.
ويعتبر أن إسرائيل يجب أن تنتقل من مفهوم «الاحتواء» إلى الضربات الوقائية والاستباقية عندما تكون الضرورة واضحة.
الحادي عشر: المجتمع الإسرائيلي جزء من الأمن القومي
من أهم جوانب الورقة أن الأمن لا يتوقف عند الجيش.
عنبر يعتبر التماسك الاجتماعي أصلًا استراتيجيًا.
ويحذر من:
* الاستقطاب الداخلي؛
* عدم المساواة في تحمل عبء الخدمة العسكرية؛
* استمرار إعفاء قطاعات الحريديم من الخدمة؛
* إنهاك قوات الاحتياط.
ويرى أن توسيع التجنيد في المجتمع الحريدي أصبح ضرورة.
كما ينبغي إعداد المجتمع لحروب طويلة وإنفاق دفاعي مرتفع.
الخلاصة الفكرية للورقة
يمكن تلخيص استراتيجية عنبر في المعادلة التالية:
قوة عسكرية كبيرة
* تفوق تكنولوجي
* ردع
* ضربات استباقية
* جز العشب
* إدارة الصراع الفلسطيني
* رفض الأهداف غير القابلة للتحقيق
* الحفاظ على الأغلبية اليهودية
* التماسك الداخلي
* التحالف الوثيق مع الولايات المتحدة.
وهو بذلك يقدم استراتيجية واقعية محافظة أكثر منها استراتيجية لتحويل المنطقة
أين تكمن أهمية الورقة؟
أعتقد أن أهمية ورقة عنبر تكمن في أنها تكشف انقسامًا استراتيجيًا داخل التفكير الإسرائيلي.
هناك اتجاه يمكن أن نسميه:
«إسرائيل التي تعيد تشكيل الشرق الأوسط»
كما يقول نتنياهو ويؤيده بعض الباحثين في مجال الأمن القومي مثل جابي سيبوني من معهد القدس للأمن والاستراتيجية ومئير بن شبات من معهد ميسجاف للأمن القومي والاستراتيجية الصهيونية
وآخر:
«إسرائيل التي تدير بيئة لا تستطيع تغييرها».
كما هو واضح في ورقة عنبر الذي كان يرأس معهد القدس سابقا ويعمل فيه الآن كباحث اول ويتفق معه في ذلك أو في كثير من ما ورد في دراسته باحثين اخرين من معاهد أخرى مثل تامىر هايمان الذي يرأس الآن معهد دراسات الأمن القومي INSS
عنبر ينتمي بوضوح إلى الاتجاه الثاني
والأهم: موقف عنبر من الفلسطينيين
وهنا أرى أن الورقة مهمة جدا
عنبر لا يطرح «نظامًا فلسطينيًا جديدًا» بوصفه مشروعًا استراتيجيًا إسرائيليًا.
بل يقول شيئًا أكثر تحفظًا:
لا توجد في الوقت الحالي جهة فلسطينية يمكن الاعتماد عليها كشريك استراتيجي.
وبالتالي:
إدارة الصراع تسبق حل الصراع
وفي الختام إذا أردنا بناء «العقيدة الإسرائيلية الجديدة بعد 7 أكتوبر» من هذه الورقة وما سبقها من أ وراق صدرت عن باحثين اخرين سواء من نفس المعهد ام من معاهد اخري، فأعتقد أن الصورة التي تبدأ بالتشكل هي: تفوق عسكري وتكنولوجي أكبر، استقلال تسليحي أكبر، حرب متعددة المجالات، ضربات استباقية، إدارة صراع طويلة، ولكن في الوقت نفسه أهداف سياسية أكثر تواضعًا ورفض لفكرة أن إسرائيل تستطيع إعادة هندسة الشرق الأوسط بالقوة




