Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
منشورات وإصداراتمقالات

اليابان الخاسر الاكبر بعد خطاب وارش

في مقالي السابق الخميس الماضي (هل أصبح خفض الفائدة بعيد المنال) توقعت ان الجملة التي تنتظرها الاسواق منذ عامين لن تقال، وهذا ما حدث بالفعل، لكن بطريقة اكثر حدة مما كان متوقعا. وقف وارش على منصة جاكسون هول ثلاثين دقيقة، ولم يقدم لا توجيها مسبقا ولا دالة تفاعل توضح متى يتحرك، بل صاغ موقفه في جملة واحدة لخصت فلسفته في ادارة الفيدرالي: انا ملتزم اليوم بانضباط، لا بقرار. ثم اضاف ما اسقط كل الرهانات على قراءة متساهلة: قراءات PCE وCPI هذا الصيف كانت افضل من المتوقع، لكنها لا تخبرني ان الاتجاهات الكامنة تحسنت فعلا بشكل ملموس. وحسم ايضا نقطة كانت مثار جدل منذ تموز، اذ اكد ان الفائدة قصيرة الاجل تبقى الاداة الرئيسية التي يملكها الفيدرالي لكبح التضخم، اي انه لن يتكل على ارتفاع عوائد السندات وحده ليقوم بمهمة التشديد نيابة عنه. رئيس فرع شيكاغو اوستن غولسبي اعلن اتفاقه مع هذه القراءة في اليوم نفسه، معتبرا ان بيانات الاشهر الاخيرة الاكثر اعتدالا لا تكفي لاخراج الاقتصاد من الغابة.
السوق حسم تفسيره خلال دقائق: هذا خطاب متشدد. احتمال رفع الفائدة ربع نقطة في اجتماع ايلول قفز من 30% الى ما يقارب 50%، وانعكس ذلك في كل الاصول دفعة واحدة. الدولار سجل اقوى قفزة اسبوعية له منذ فترة بعدما انفكت مراكز بيع واسعة كانت تراهن على ضعفه، وأغلق مؤشره على ارتفاع بلغ نحو 0.54% في الجلسة. الذهب، الذي كان يقترب من 4700 دولار للاونصة قبل ايام، هوى الى ما دون 4531 دولارا خلال الجلسة قبل ان يستقر قرب 4456 دولارا مع اغلاق الاسبوع، في اعنف تراجع يومي له منذ اشهر. عائد سندات السنتين ارتفع 2.79%، والعشر سنوات 1.07%، اي ان السوق اعاد تسعير الطرف القصير بقوة اكبر من الطويل، وهي بصمة كلاسيكية لخطاب يرفع احتمال الرفع القريب من دون ان يغير قناعة السوق بمسار التضخم البعيد. الاسهم تذبذبت ثم انتهت الجلسة سلبية بعدما كانت في المنطقة الخضراء صباحا: تراجع مؤشر ستاندرد اند بورز 0.26% ليغلق عند 7711 نقطة، وهبط ناسداك 0.53%، بينما بقي داو جونز شبه مستقر. هذا النمط، ارتفاع صباحي ثم انعكاس بعد الظهر، يطابق بالضبط ما جرى مع تصريحات وارش السابقة في تموز، ويؤكد ان الاسواق ما تزال تتعامل معه بوصفه مصدر مفاجاة لا مصدر طمانينة.
وهنا تفصيل قد يغير قراءة الصورة كاملة: تفكيك عائد العشر سنوات الى مكوناته يظهر ان السند الحقيقي المحمي من التضخم TIPS ارتفع عائده الحقيقي 44 نقطة اساس منذ مطلع العام، بينما هبط معدل التعادل التضخمي المستخرج من الفارق بين السندين 6 نقاط فقط. بعبارة اخرى، تعويض التضخم المتوقع في العائد الاسمي لم يرتفع بل انخفض قليلا، وكل الزيادة تقريبا مصدرها الفائدة الحقيقية، اي علاوة الاجل التي يطلبها الدائنون مقابل الاقراض الطويل بحد ذاته، لا خوفهم من تضخم اعلى. هذا الرقم يحسم جدلا كان يمكن ان يبقى تخمينيا: ارتفاع عوائد السندات الاميركية طوال هذا العام ليس قصة تضخم بل قصة مطالبة الدائنين بعائد اعلى لتمويل حكومة متزايدة العجز، بصرف النظر عما يفعله الفيدرالي بالفائدة القصيرة. ومؤشر موف، الذي يقيس التقلب الضمني في سوق السندات، اغلق الاسبوع عند مستوى يقارب 73 فقط، اي ان السوق نفسه هادئ من حيث المستوى ولا يتصرف بذعر، لكنه يعيد التسعير بثبات واصرار في اتجاه واحد.
وتحت السطح تماما، في ما يدعى ب (السباكة ) التي لا يتابعها الا المتخصصون في اسواق المال قصيرة الاجل، مؤشر اخر مهم: الفارق بين معدل التمويل المضمون بين البنوك SOFR والفائدة التي يدفعها الفيدرالي على احتياطيات البنوك IORB. هذا الفارق ظل قريبا من الصفر طوال الصيف، لكن منشاة اعادة الشراء العكسي التي كانت تستوعب فائض السيولة في النظام تراجعت الى نحو مليار دولار فقط، مقابل ذروة بلغت 2.55 تريليون دولار نهاية 2022، ما يعني ان الوسادة النقدية التي كانت تمتص اي صدمة سيولة اختفت عمليا، وأي ارتفاع اضافي في اصدار اذون الخزانة قصيرة الاجل، وهو ما تفعله وزارة الخزانة فعلا لتمويل اعادة شرائها للسندات الطويلة، يسحب مباشرة من احتياطيات البنوك بدل ان يستوعبه فائض الاسواق كما كان يحدث سابقا. اذا بدا هذا الفارق يتسع بثبات في الاسابيع المقبلة، وخصوصا حول تواريخ تسوية اصدارات الخزانة الكبرى او نهايات الارباع، فتلك اول اشارة عملية على شح فعلي في السيولة المصرفية، وهي بالضبط الاشارة التي سبقت اضطراب سوق الريبو في ايلول 2019 قبل ان يضطر الفيدرالي للتدخل.
اما بخصوص الطرف الاكثر تضررا فكان خارج الحدود الاميركية تماما. الدولار مقابل الين لامس مستوى 160 للمرة الاولى منذ التدخل المشترك الاميركي الياباني اواخر تموز، وهو المستوى نفسه الذي استدعى ذلك التدخل حينها. سبب الضعف مباشر: خطاب متشدد يرفع فائدة الدولار المتوقعة يوسع الفجوة مع فائدة اليابان التي ما تزال قريبة من الصفر نسبيا، فيصبح اقتراض الين لاعادة استثماره باصول اعلى عائدا، وهي صفقة الفروق السعرية المعروفة، اكثر ربحية واكثر انتشارا. لكن الادعاء بان ضعف الين سيجبر بنك اليابان على بيع حيازاته من سندات الخزانة الاميركية دفاعا عن عملته، وان ذلك بدوره سيرغم الفيدرالي على طبع الدولار لاستيعاب موجة البيع، يستحق التمحيص. الجزء الاول محتمل فعلا: بنك اليابان تدخل مرتين هذا العام لدعم عملته، ولو تكرر ضعف الين بقوة فقد يضطر الى بيع جزء من احتياطياته الدولارية، ومنها سندات اميركية، لتمويل عمليات الشراء. لكن الجزء الثاني غير دقيق: الفيدرالي لا يطبع دولارات لاستيعاب بيع الاجانب لسنداته، فتلك السندات تنتقل ببساطة الى مشترين اخرين في السوق الثانوية بسعر يعكس العرض والطلب، وأي طباعة نقدية تحدث فقط اذا قرر الفيدرالي بنفسه شراء تلك السندات ضمن برنامج تيسير كمي، وهو ما لم يلمح اليه وارش من قريب او بعيد، بل فعل عكسه تماما بخطاب يرجح رفع الفائدة لا خفضها. الاصح ان يقال ان ضعف الين يضيف قيدا جديدا: فاليابان لا تزال اكبر حائز اجنبي لسندات الخزانة الاميركية بحدود 1.2 تريليون دولار، وبيانات وزارة الخزانة الاميركية الاخيرة تظهر ان الحيازة اليابانية زادت ولم تنقص في الاشهر الماضية، بينما الصين، هي من خفضت حيازتها الى 683 مليار دولار، الادنى منذ 2008. القلق الحقيقي اذن ليس بيعا يابانيا وشيكا بل خطر ان يتحول بنك اليابان، اذا استمر في رفع فائدته تدريجيا لمواجهة تضخمه الداخلي، الى مركز جذب يعيد جزءا من رؤوس الاموال اليابانية المستثمرة في السندات الاميركية الى الداخل، وهو ما يضغط تدريجيا على الطرف الطويل من المنحنى الاميركي لا فجأة.
اما التوتر بين وارش ووزير الخزانة بيسنت فحقيقي وموثق، بيسنت اعلن قبل خطاب وارش بايام مضاعفة برنامج اعادة شراء السندات الطويلة الى 4 مليارات دولار في العملية الواحدة، في محاولة لكبح العائد الطويل الذي كان قد بلغ 5.3% على الثلاثين سنة، اعلى مستوى منذ عشرين عاما تقريبا مع قفزة في فائدة الرهن الثابت الى 6.6%. الاثر الفعلي للاعلان كان هزيلا بمقياس دقيق: العائد الطويل هبط 9 الى 10 نقاط اساس فقط لبضع ساعات، ثم عاد للارتفاع خلال يوم واحد بعدما ادرك السوق ان حجم العملية الاضافية، نحو ملياري دولار اسبوعيا فقط، ضئيل قياسا بحجم اصدارات الخزانة الاجمالية. والمفارقة ان اضعاف الدولار الناتج عن محاولة بيسنت نفسها يحمل اثرا تضخميا مضادا لهدفه المعلن، لانه يرفع كلفة الواردات، ما يضع الوزير في موقف يحارب فيه عرضا واحدا من المرض، ارتفاع كلفة الدين، بعلاج قد يفاقم عرضا اخر، وهو التضخم المستورد.
وزاوية سياسية تستحق المتابعة تحديدا لصلتها بمصداقية بيانات التضخم نفسها. مرشح سابق لادارة مكتب احصاءات العمل الاميركي كان قد اقترح قبل اشهر تبني مقياس بديل للتضخم من القطاع الخاص، اقل بنحو نقطة مئوية كاملة من الرقم الرسمي، بحجة ان المنهجية الحكومية الحالية تبالغ في تقدير الاسعار، وهي حجة تعرف في الادبيات الاقتصادية بمراجعات لجنة بوسكن، نسبة الى مراجعة مماثلة جرت للمؤشر في التسعينيات. لم يتقدم ذلك الترشيح فعليا، لكن مجرد طرحه يكشف ان هناك مسار سياسي محتمل، وان كان غير مرجح في المدى القريب، لخفض الفائدة عبر تغيير مقياس التضخم نفسه لا عبر تحسن حقيقي في الاقتصاد. وهذا يفسر جزئيا لماذا يصر وارش على تكرار ان الفيدرالي يعتمد مقياس PCE الرسمي بلا تعديل، فهو يغلق هذا الباب مسبقا قبل ان يفتح.
هذا كله يعزز التوقع السابق باحتمال الرفع ( لا الخفض) في ايلول، وللعلم فان اسواق العقود ما تزال لا تسعر اي خفض قبل منتصف 2027. المستثمر الذي يتابع الاسواق وتحركاتها يخرج بخلاصة واضحة: الدولار يستحق وزنا اكبر في المحفظة على المدى القريب بعدما اثبت قدرته على الارتداد بسرعة عند اي اشارة تشدد، والذهب الذي صحح 3 الى 4% في جلسة واحدة يبقى مكونا دفاعيا سليما على المدى المتوسط طالما استمرت البنوك المركزية في شرائه بمعزل عن تقلبات الاسبوع، لكنه سيبقى عرضة لتصحيحات حادة في اي مرة يفاجئ فيها وارش الاسواق بتشدد اضافي. اما مسار فائدة بنك اليابان بات متغيرا يستحق رصده بقدر ما تستحقه بيانات PCE نفسها، وكذلك فارق SOFR عن IORB الذي يستحق مكانا في اي متابعة جادة، لان اي تسارع في تطبيع سياسة اليابان النقدية او اي تفاقم في شح السيولة المصرفية الاميركية يعني تدريجيا تشديدا اضافيا على الطرف الطويل من منحنى الخزانة الاميركية لا يملك الفيدرالي وحده مفتاحه.

دكتور طارق عاشور

أستاذ زائر للاقتصاد في جامعة بيرزيت، وباحث اقتصادي في معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي. متخصص في سياسات المالية العامة والاقتصاد الكلي، وله أبحاث منشورة تركز على تحليل التحديات الهيكلية للاقتصاد الفلسطيني، بما في ذلك السياسات المالية، وأسواق العمل، وأثر الاحتلال على الأداء الاقتصادي والتنمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى