من أليندي في تشيلي إلى المقاصة في فلسطين: كيف تغيّرت أسلحة إسقاط الخصوم من الانقلاب إلى الخنق الاقتصادي؟

د. راسم بشارات – المدير العام لجمعية جسور لدراسات الهجرة والتماسك الاجتماعي والتعاون الثقافي. دكتوراه في دراسات غرب آسيا، باحث و محلل، مختص في الشأن الفلسطيني واللاتيني. مفوض العلاقات الخارجية لدى منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو والقرى المستهدفة في فلسطين
في صباح 11 سبتمبر 1973، لم تكن سماء سانتياغو تحمل نذر عاصفة عسكرية فحسب؛ بل كانت تشهد اللحظات الأخيرة لتجربة سياسية أرادت أن تثبت أن الوصول إلى السلطة يمكن أن يتم عبر صناديق الاقتراع، حتى عندما يكون المشروع السياسي الذي يحمله الفائز على خلاف جذري مع مصالح القوى الاقتصادية والاستراتيجية الكبرى. كانت طائرات الجيش التشيلي تحلق فوق العاصمة، فيما كانت الدبابات تحاصر قصر لامونيدا. وفي الداخل، كان الرئيس سلفادور أليندي يدرك أن الساعات الأخيرة لحكومته قد بدأت.
لم يكن لدى أليندي جيش موال قادر على كسر الحصار، ولا حليف خارجي مستعد للتدخل لإنقاذ حكومته. وفي كلماته الأخيرة عبر الإذاعة، تحدث إلى التشيليين عن الأمل، وعن مستقبل لن ينتهي بسقوطه. لكن ذلك اليوم انتهى بانقلاب عسكري دموي أطاح بأول رئيس ماركسي يصل إلى الحكم عبر انتخابات ديمقراطية في أمريكا اللاتينية، وفتح الطريق أمام الجنرال أوغستو بينوشيه لإقامة نظام عسكري استمر 17 عاما، تاركا وراءه آلاف الضحايا والمعتقلين والمنفيين.
غير أن أهمية 11 سبتمبر 1973 لا تكمن فقط في كيفية سقوط أليندي، بل في السؤال الذي ظل يتجاوز الحالة التشيلية نفسها: كيف تستطيع قوة كبرى إسقاط حكومة لا تريدها من دون أن تضطر إلى احتلال البلاد؟ وما الذي يحدث عندما يصبح تغيير السلطة هدفا، لكن التدخل العسكري المباشر يصبح أكثر كلفة سياسيا وعسكريا وأخلاقيا؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا ينبغي النظر إلى سانتياغو باعتبارها نقطة بداية، بل باعتبارها محطة بارزة في مسار أطول. فقد سبقتها طهران عام 1953، حين تم الإطاحة بحكومة محمد مصدق بعد أزمة النفط والصراع حول تأميمه؛ ثم غواتيمالا عام 1954، حيث تحولت المصالح الاقتصادية والجيوسياسية إلى عامل حاسم في إسقاط حكومة جاكوبو أربينز؛ ثم الكونغو، حيث تداخلت الحرب الباردة مع الصراع على الموارد وموقع الدولة الأفريقية في النظام الدولي. وفي كل محطة كانت الأدوات تتغير، لكن المنطق ظل واحدا يتمثل بإضعاف الخصم من الداخل، وعزله، واستنزاف قدرته على الحكم، ثم دفع النظام السياسي إلى نقطة الانهيار.
في تشيلي، بدا السلاح في صورته الأكثر وضوحا؛ طائرات ودبابات وقوات مسلحة تقتحم مركز السلطة. لكن التجربة نفسها كشفت حدود الانقلاب العسكري المباشر، سواءا بسبب كلفته السياسية أو حجم العنف الذي يرافقه أو صعوبة تكراره في بيئات دولية أكثر حساسية. ومع مرور العقود، بدأت أدوات الضغط تتطور من الوسائل الصلبة والمباشرة إلى أدوات أكثر خفاءا: عمليات سرية، حرب معلومات، ضغوط دبلوماسية، عقوبات اقتصادية، وحصار مالي، ثم التحكم في تدفقات الأموال وقدرة الحكومات على الوصول إلى مواردها.
وهنا تتغير طبيعة المعركة. فلم يعد إسقاط الخصم يتطلب بالضرورة إرسال الدبابات إلى العاصمة. يكفي أحيانا أن تصبح الحكومة عاجزة عن دفع رواتب موظفيها، أو تمويل خدماتها العامة، أو الوفاء بالتزاماتها، أو الحفاظ على ثقة اقتصادها، أو الوصول إلى مواردها المالية. فبدلا من ضرب مركز السلطة عسكريا، يمكن خنق قدرتها على العمل تدريجيا، بحيث يتحول الضغط الاقتصادي إلى أزمة سياسية، وتتحول الأزمة السياسية إلى أزمة شرعية، ثم يصبح النظام نفسه أمام خيارات محدودة: التراجع، أو التفاوض بشروط الخصم، أو الانهيار.
هذا التحول يظهر بوضوح أكبر في حالات العراق وفنزويلا وإيران، وإن اختلفت ظروف كل حالة وأدواتها ونتائجها. ففي العراق، تداخلت العقوبات الطويلة مع الحرب ثم الاحتلال وتغيير النظام. وفي فنزويلا، أصبحت العقوبات على قطاعات استراتيجية والقيود على الوصول إلى النظام المالي الدولي جزءا من صراع سياسي مفتوح حول السلطة. أما إيران، فقد تحولت العقوبات والضغط المالي إلى عنصر ثابت في استراتيجية أوسع تهدف إلى التأثير في سلوك الدولة وقدرتها الاقتصادية والاستراتيجية، من دون اللجوء بالضرورة إلى حرب شاملة.
ومن هنا يصبح الانتقال من الانقلاب إلى الخنق الاقتصادي أكثر من مجرد تغير في الأدوات؛ إنه تحول في هندسة القوة نفسها. فالقوة لم تعد تقاس فقط بعدد الطائرات والدبابات والصواريخ، بل أيضا بالقدرة على التحكم في النظام المالي، وحركة الأموال، والأسواق، وسلاسل التوريد، والعقوبات، والمساعدات، والموارد التي تحتاجها الحكومات للبقاء. وفي عالم شديد الترابط ماليا، يمكن أن يصبح الوصول إلى المال سلاحا لا يقل تأثيرا عن القدرة على استخدام القوة العسكرية.
في الحالة الفلسطينية، يأخذ هذا المنطق بعدا بالغ الحساسية من خلال ملف أموال المقاصة. فهذه الأموال ليست مجرد مورد مالي عادي، وإنما تمثل جزءا أساسيا من قدرة السلطة الفلسطينية على دفع الرواتب وتمويل الخدمات العامة والحفاظ على انتظام مؤسساتها. ولذلك فإن حجزها أو تأخير تحويلها أو اقتطاع أجزاء منها لا يمكن النظر إليه فقط باعتباره إجراءا ماليا؛ بل يطرح سؤالا سياسيا أوسع حول حدود استخدام الموارد الاقتصادية كأداة ضغط على القرار السياسي.
وهنا تبرز المفارقة: إذا كان الانقلاب العسكري التقليدي يهدف إلى إسقاط الحكومة خلال ساعات، فإن الخنق المالي يعمل بطريقة مختلفة. إنه لا يحتاج إلى اقتحام المقر الرئاسي؛ يكفي أن يجعل المقر عاجزا عن دفع فاتورة الكهرباء أو رواتب الموظفين أو تمويل المستشفيات والمدارس. لا يحتاج إلى رفع الدبابات في الشوارع؛ يمكنه أن يضع النظام السياسي أمام أزمة مالية متراكمة، بحيث يصبح بقاؤه نفسه مرتبطا بقرارات الجهة التي تملك مفتاح المال.
وهذا هو المسار الذي ينبغي متابعته والتساؤل كيف انتقلت أدوات تغيير سلوك الخصوم وإضعافهم من القوة العسكرية المباشرة إلى التحكم في البيئة الاقتصادية والمالية التي تسمح لهم بالبقاء؟ وهل نحن أمام تحول حقيقي من “الانقلاب” إلى “الخنق”، أم أن الأداتين ليستا سوى وجهين مختلفين لمنطق واحد في ممارسة القوة؟
من طهران إلى غواتيمالا، ومن الكونغو إلى تشيلي، ومن العراق إلى فنزويلا وإيران، وصولا إلى أموال المقاصة الفلسطينية، تبدو القصة وكأنها تاريخ متواصل لإعادة اختراع أدوات الضغط السياسي. الأدوات تغيرت، والواجهات تغيرت، واللغة تغيرت؛ لكن السؤال الأساسي بقي نفسه: كيف يمكن إخضاع خصم سياسي من دون دفع الثمن الكامل للحرب؟
وربما تكمن الإجابة في المفهوم الذي بات أكثر حضورا في الصراعات المعاصرة: الحرب متعددة المجالات أو الحرب الهجينة، حيث لا تعمل الدبلوماسية والعقوبات والمال والإعلام والاستخبارات والقوة العسكرية كأدوات منفصلة، بل تتداخل في منظومة واحدة هدفها إعادة تشكيل سلوك الخصم، وإضعاف قدرته على المناورة، ودفعه تدريجيا إلى قبول قواعد اللعبة التي يفرضها الطرف الأقوى.
تشيلي 1973: الانقلاب الذي بدأ قبل أن تدخل الدبابات القصر
لم يكن سلفادور أليندي عدوا عسكريا للولايات المتحدة بالمعنى التقليدي، لكنه كان يمثل خصما سياسيا وفكريا لنموذجها في الحرب الباردة. ففي عام 1970 وصل إلى الرئاسة عبر الانتخابات، على رأس ائتلاف “الوحدة الشعبية”، حاملا مشروعا اشتراكيا يقوم على تأميم قطاعات رئيسية من الاقتصاد، وإعادة توزيع الثروة، وتوسيع دور الدولة، ولكن من داخل المؤسسات الدستورية ومن خلال آليات الديمقراطية الانتخابية.
وهنا تحديدا تكمن حساسية التجربة التشيلية. فالمشكلة بالنسبة إلى واشنطن لم تكن أن أليندي وصل إلى السلطة عبر ثورة مسلحة على غرار كوبا، بل العكس تماما؛ لقد وصل إليها عبر صناديق الاقتراع. وكان نجاحه، واستمرار حكومته من خلال المؤسسات الديمقراطية، يمكن أن يقدم نموذجا مختلفا جذريا عن الصورة التي سعت الولايات المتحدة إلى ترسيخها خلال الحرب الباردة، ومفادها أن التحولات الاشتراكية في أمريكا اللاتينية لا يمكن أن تنجح إلا عبر الثورة المسلحة أو خارج النظام السياسي القائم.
ولهذا لم تنتظر واشنطن حتى يستقر أليندي في قصر لامونيدا. فقد كشفت الوثائق الأمريكية التي رفعت عنها السرية أن التحرك ضد الرئيس أليندي كان قد بدأ قبل توليه الرئاسة فعليا. ففي 15 سبتمبر 1970، صدرت توجيهات إلى وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية للعمل على منع وصوله إلى الرئاسة. وتظهر الوثائق الرسمية الأمريكية أن هذا المسار كان منفصلا عن قنوات أخرى كانت تتحرك بالتوازي، بما في ذلك لجنة الأربعين ووزارة الخارجية والسفارة الأمريكية.
لكن الأهم أن التدخل لم يتوقف عند محاولة منع أليندي من الوصول إلى السلطة. ففي أكتوبر 1970، اتجهت السياسة الأمريكية إلى مرحلة أكثر وضوحا تتمثل بالعمل على منع الحكومة الجديدة من ترسيخ نفسها في السلطة، مع التشديد في الوقت نفسه على إبقاء الدور الأمريكي سريا. وهنا تبدأ القصة في الابتعاد عن الصورة التقليدية للانقلاب، حيث لا تكون الدبابة هي الأداة الأولى، وإنما يأتي الضغط السياسي والاقتصادي والاستخباراتي قبلها.
السلاح لم يكن عسكريا فقط. كانت هناك قنوات تمويل، واتصالات سياسية، ومحاولات للتأثير في وسائل الإعلام، واتصالات مع القوى المناهضة للحكومة، وضغوط اقتصادية، وجهود للتأثير في البيئة السياسية والاقتصادية التي تتحرك فيها حكومة أليندي. وبعبارة أخرى، لم يكن الهدف بالضرورة إسقاط الحكومة بضربة واحدة، بقدر ما كان تضييق المجال أمامها ومنعها من تحويل انتصارها الانتخابي إلى مشروع سياسي مستقر وطويل الأمد.
وتكشف الوثائق أيضاً أن هذه السياسة لم تكن مجرد رد فعل مؤقت على انتخاب أليندي. ففي أغسطس 1973، أي قبل الانقلاب بأسابيع، كانت واشنطن لا تزال تبحث في سبل دعم قوى المعارضة والقطاع الخاص في مواجهة الحكومة. وهذا التفصيل مهم لأنه ينقل القصة من لحظة الانقلاب العسكري في 11 سبتمبر إلى مسار أطول من الضغط والتدخل ومحاولات إعادة تشكيل موازين القوى داخل تشيلي.
ثم جاء 11 سبتمبر 1973. تحرك الجيش التشيلي، حوصرت لامونيدا وقصفت، وانتهت حكومة أليندي بانقلاب عسكري قاده الجيش التشيلي، مهد له تدخل أمريكي سري واسع النطاق ضد حكومة أليندي، ومحاولات لمنع وصوله إلى الرئاسة ثم إضعاف حكومته ودعم القوى المعارضة لها.
وبذلك، تصبح تشيلي عام 1973 أكثر من قصة انقلاب عسكري. إنها إحدى المحطات المبكرة في تطور نموذج أوسع لممارسة القوة: إضعاف الخصم قبل إسقاطه، وتجفيف قدرته السياسية والاقتصادية على المناورة، ثم ترك الأداة المحلية تتولى الضربة الأخيرة. وهذه الفكرة تحديدا هي التي ستظهر لاحقا، بأشكال مختلفة وأكثر تطورا، في العقوبات والحصار المالي والتحكم في الموارد، وصولا إلى السؤال الفلسطيني المعاصر حول أموال المقاصة.
فلسطين: عندما تتحول أموال المقاصة إلى نقطة اختناق
إذا كانت تشيلي تكشف كيف يمكن بناء منظومة ضغط واسعة حول دولة ذات سيادة، فإن الحالة الفلسطينية تقدم نموذجا مختلفا تماما، لكنه شديد الأهمية لفهم القوة المالية. وليس المقصود هنا القول إن السلطة الفلسطينية تشبه حكومة أليندي، أو أن إسرائيل تستخدم في الحالة الفلسطينية نموذج العقوبات الأمريكي على إيران أو فنزويلا بصورة مطابقة. المقارنة هنا أضيق وأكثر تحديدا: ماذا يحدث عندما يعتمد كيان سياسي على مورد مالي رئيسي لا يملك السيطرة الكاملة على آلية تحصيله وتحويله؟
تعود جذور هذه المسألة إلى الترتيبات الاقتصادية التي أقرها بروتوكول باريس عام 1994 بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. فإيرادات المقاصة تشمل، بصورة أساسية، ضريبة القيمة المضافة والرسوم الجمركية على الواردات التي تجمعها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية، على أن تحول إليها بصورة دورية. ويشير البنك الدولي إلى أن إيرادات المقاصة تمثل أكثر من ثلثي إيرادات السلطة الفلسطينية، ما يجعلها عنصرا حاسما في قدرتها المالية على تمويل نفقاتها العامة.
وهنا تظهر نقطة الاختناق. فالمسألة لا تتعلق بمجرد بند في حسابات وزارة المالية الفلسطينية. عندما تتعطل تحويلات المقاصة أو تتعرض لاقتطاعات كبيرة أو تتوقف، فإن أثرها ينتقل سريعا من النظام المالي إلى الحياة اليومية؛ رواتب الموظفين، والمدارس والمستشفيات، والموردون، والقطاع الخاص، والمصارف، وقدرة السلطة على الاقتراض، ثم إلى قدرة المؤسسات العامة نفسها على الاستمرار في تقديم خدماتها.
وهذا ما أظهرته تطورات عام 2025 بوضوح شديد. فقد ذكر البنك الدولي أن تحويل إيرادات المقاصة توقف بالكامل منذ مايو 2025، بعد أن كانت الإيرادات قد تعرضت أصلا لاقتطاعات كبيرة. ونتيجة لذلك تعمقت الأزمة المالية للسلطة، واضطرت إلى خفض مدفوعات رواتب القطاع العام إلى نحو 60% في مايو ثم 50% في يونيو، مع استمرار تراكم المتأخرات تجاه الموظفين والقطاع الخاص وصندوق التقاعد، واللجوء بصورة أكبر إلى الاقتراض من المصارف المحلية.
وتكشف بيانات البنك الدولي اللاحقة حجم الاعتماد البنيوي على هذا المورد. فإيرادات المقاصة تمثل أكثر من ثلثي إيرادات السلطة، فيما تفرض طبيعة النظام الاقتصادي القائم قيودا شديدة على قدرة السلطة على استخدام أدوات السياسة الاقتصادية التقليدية أو إيجاد مصادر تمويل بديلة بالحجم والسرعة نفسيهما. ولذلك فإن انقطاع هذه الإيرادات لا ينتج مجرد عجز مالي مؤقت، بل يمكن أن يتحول إلى أزمة سيولة تضرب قدرة المؤسسات على أداء وظائفها الأساسية.
ومن هنا يصبح تعبير “نقطة الاختناق المالي” أكثر دقة من وصف المسألة بأنها مجرد عقوبات. فالحالة الفلسطينية لا تتطابق مع العقوبات الأمريكية على إيران أو فنزويلا؛ لا توجد هنا منظومة عقوبات دولية مماثلة تستهدف الاقتصاد الفلسطيني بأكمله. إنما توجد علاقة اقتصادية وسياسية غير متكافئة تجعل أحد الطرفين يمتلك قدرة مؤثرة على تدفق مورد مالي حيوي للطرف الآخر. فإسرائيل تستخدم مجموعة من آليات حجز واقتطاع أموال المقاصة لأسباب مختلفة، لكن تراكم هذه الإجراءات يخلق ضغطا ماليا هائلا على السلطة الفلسطينية، بينما تكشف تصريحات بعض المسؤولين الإسرائيليين أمثال سموتريتش عن وجود تيار سياسي يرى في إضعاف السلطة أو دفعها نحو الانهيار هدفا بحد ذاته.
والفرق جوهري. ففي نظام مالي متكامل، تستطيع الدولة عادة أن تبحث عن بدائل؛ تغيير قنوات التجارة، أو إعادة توجيه الإيرادات، أو الاقتراض الخارجي، أو تعديل السياسة النقدية، أو استخدام أدوات مالية مختلفة. أما السلطة الفلسطينية فتعمل ضمن قيود بنيوية شديدة على التجارة والحدود والجمارك والسياسة النقدية والتمويل الخارجي. ولذلك فإن تعطيل مورد رئيسي مثل المقاصة لا يترك لها ببساطة مساحة واسعة لاستبداله.
وهنا تنتقل القوة من امتلاك المال إلى التحكم في تدفق المال. وهذه نقطة مركزية في تطور أدوات الصراع السياسي المعاصر. فالقوة لا تتطلب دائما أن تمتلك الموارد التي يحتاج إليها خصمك؛ قد يكون كافيا أن تمتلك القدرة على التحكم في توقيت وصولها، أو حجمها، أو شروط تحويلها.
وهذا هو المكان الذي تلتقي فيه الحالة الفلسطينية مع المسار التاريخي الأوسع، من دون الوقوع في فخ مساواة الحالات المختلفة. في تشيلي، كان الضغط السياسي والاقتصادي جزءا من بيئة سبقت انقلابا عسكريا تولى الجيش تنفيذه. وفي فنزويلا، استخدمت قوة النظام المالي الأمريكي والعقوبات الخارجية للضغط على حكومة مادورو. وفي إيران، تحولت العقوبات إلى منظومة متعددة المجالات تستهدف الطاقة والمال والتكنولوجيا وسلاسل التوريد. أما في الحالة الفلسطينية، فتتمثل نقطة الضعف في بنية اقتصادية وسياسية غير متكافئة، وفي اعتماد مالي كبير على إيرادات المقاصة التي تجمع وتحول ضمن ترتيبات لا تملك السلطة الفلسطينية السيطرة الكاملة عليها.
ومع ذلك، هناك قاسم مشترك لا يمكن تجاهله: المال يمكن أن يتحول من مورد اقتصادي إلى أداة قوة سياسية. وكلما ازدادت تبعية كيان سياسي لمورد لا يستطيع التحكم في مصدره أو مسار وصوله، تحولت السيطرة على هذا المورد من مسألة مالية إلى ورقة نفوذ على القرار السياسي والاستقرار المؤسسي، وهو ما تعمل عليه إسرائيل كعقاب للسلطة الفلسطينية لمنعها من اللجوء للمؤسسات الدولية وصولا إلى منع قيام دولة فلسطينية .
ومن هنا لم تعد القوة الحديثة تحتاج دائما إلى اقتحام القصر أو احتلال العاصمة. أحيانا يكفي التحكم في الموارد التي تجعل مؤسسات السلطة قادرة على العمل، بحيث أن الدبابة تستطيع إسقاط باب القصر، لكن نقطة الاختناق المالية تستطيع، في ظروف معينة، أن تضغط على الدولة من الداخل من دون أن تطلق رصاصة واحدة.
وهذه هي النقطة التي تقود إلى طرح التساؤل التالي: إذا كان القرن العشرين قد شهد تطورا من الانقلاب العسكري إلى العمليات السرية ثم إلى الحرب المباشرة، فهل يشهد القرن الحادي والعشرين انتقالا جديدا نحو إدارة الصراع عبر نقاط الاختناق المالية والاقتصادية؟ وإذا كان الأمر كذلك، فأين ينتهي الضغط الاقتصادي المشروع، وأين يبدأ استخدام المال كسلاح لإعادة تشكيل القرار السياسي؟
الخلاصة:
في 11 سبتمبر 1973، كان الانقلاب في تشيلي واضحا إلى درجة لا تحتاج إلى تفسير. دبابات في شوارع سانتياغو، طائرات تقصف القصر الرئاسي، ورئيس منتخب محاصر داخل مقر الحكم. كانت القوة العسكرية تعلن سقوط النظام السياسي أمام العالم.
بعد أكثر من نصف قرن، لم تختفِ أدوات إسقاط الخصوم، لكنها أصبحت أكثر هدوءا وأقل ظهورا. قد يبدأ الضغط اليوم من حساب مصرفي، أو صادرات نفط، أو نظام دفع، أو شبكة تجارية، أو عقوبات مالية، أو أموال حكومية لا تصل إلى خزينة الدولة. وقد ترافق ذلك حملات إعلامية وضغوط دبلوماسية وعمليات سيبرانية وتقييد للتجارة والتكنولوجيا، بينما تبقى القوة العسكرية في الخلفية.
في الحالة الفلسطينية، تظهر هذه المسألة بأكثر صورها حساسية، إذ أن أموال المقاصة ليست عقوبات دولية بالمعنى المتعارف عليه، وليست أرقاما مجردة، إنما هي رواتب، ومستشفيات، ومدارس، وخدمات عامة، وموردون، ومصارف، وقدرة مؤسسات على الاستمرار.
وحين يتم حجز المال، لا تحاصر الخزينة وحدها؛ بل تمتد آثار الحجز إلى الاقتصاد والمجتمع والمؤسسات. ولهذا فإن قضية المقاصة لا ينبغي أن تبقى مجرد أزمة سيولة تتكرر كل شهر، أو ملفا تفاوضيا يتم فتحه وغلقه وفق ميزان القوة السياسية.
إذا كانت هناك أموال مستحقة بموجب ترتيبات واتفاقات قانونية، فإن المطلوب هو نقل القضية إلى مستوى أكثر مؤسسية: توثيق عمليات الحجز والاقتطاع، تحديد أساسها القانوني، استخدام آليات تسوية النزاعات والرقابة المتاحة، وإشراك المؤسسات الدولية والدول المانحة في حماية استمرارية الخدمات والمؤسسات الفلسطينية.
أما المجتمع الدولي، فلا يكفي أن يدفع ثمن الأزمة كلما وقعت. فإذا تم حجز المال وجاءت المساعدات لتعويض العجز، فإن المشكلة لا تكون قد حلت؛ بل يكون العالم قد بدأ بتمويل نتائج الخنق بدلا من معالجة أسبابه.
فالمطلوب هو الانتقال من إدارة الأزمة إلى منع استخدامها كأداة ضغط؛ ومن انتظار الإفراج عن الأموال إلى حماية الحق في وصولها؛ ومن المساعدات الطارئة إلى آليات مالية وقانونية تمنع انهيار المؤسسات عندما تتعرض الإيرادات للحجز أو التأخير. القانون الدولي لا يختبر عندما تكون القوة متساوية، بل عندما يحاول طرف أقوى تحويل تفوقه السياسي أو الاقتصادي إلى قدرة على التحكم في الموارد التي يحتاج إليها الطرف الأضعف.
وهنا تعود صورة تشيلي، ولكن بصورة مختلفة. ففي سانتياغو كانت الدبابات تحاصر القصر، أما في فلسطين، قد لا يحتاج الأمر إلى دبابة واحدة لكي يتوقف المال، ثم يتأخر الراتب وتتراجع الخدمات، ثم تنكمش قدرة المؤسسات، وتتآكل قدرة السلطة الفلسطينية على الحكم في الواقع.
وهنا يكمن الوجه الجديد للقوة؛ لا تحتاج إلى إسقاط السلطة إذا استطعت أن تجعلها عاجزة عن ممارسة سلطتها، وإذا كانت الدبابة تستطيع إسقاط حكومة في يوم واحد، فإن الخنق المالي يستطيع أن يفعل شيئا أكثر هدوءا بتركها واقفة لكي يراها العالم وهي تسقط ببطء.




