Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
منشورات وإصداراتمقالات

الرئيس لولا وولاية رئاسية رابعة: البرازيل وفلسطين في مواجهة اختلالات النظام الدولي

د. راسم بشارات – دكتوراه في دراسات غرب آسيا، باحث ومحلل ومختص في الشأن الفلسطيني واللاتيني

لم يكن فوز الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا – حزب العمال اليساري، بولاية رئاسية رابعة، في الجولة الثانية من الانتخابات التي جرت في 25 أكتوبر 2026، حدثا محصورا في الحسابات الانتخابية الداخلية. إذ أن البرازيل بما تمتلكه من ثقل اقتصادي وسكاني ودبلوماسي، قادرة على التأثير في مواقف دول أمريكا اللاتينية وفي النقاشات الدولية المتعلقة بحقوق الشعوب والعدالة الدولية. ومن هنا، تكتسب النتيجة أهمية خاصة بالنسبة إلى القضية الفلسطينية، التي أصبحت اختبارا لمدى استعداد الدول للانتقال من إعلان التضامن السياسي إلى اتخاذ خطوات دبلوماسية وقانونية تسهم في مواجهة الاحتلال والانتهاكات بحق الفلسطينيين.

أعلنت المحكمة الانتخابية العليا البرازيلية فوز لولا بنسبة 51.79% من الأصوات الصحيحة، مقابل 48.21% لمنافسه فلافيو بولسونارو – الحزب الليبرالي اليميني. وتعكس النتيجة استمرار الانقسام السياسي داخل البرازيل، لكنها تتيح أيضا استمرار السياسة الذي اتبعتها حكومة لولا في التعامل مع القضية الفلسطينية، والقائمة على انتقاد السياسات الإسرائيلية، والدعوة إلى حماية المدنيين، والتمسك بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة.

البرازيل: من التجربة الاجتماعية إلى استقلال القرار السياسي

ارتبط المشروع السياسي للرئيس لولا ببرامج مكافحة الفقر وتوسيع الحماية الاجتماعية وتقليص التفاوت الاقتصادي، إلى جانب سياسة خارجية تسعى إلى تعزيز مكانة البرازيل وتوسيع هامش استقلال قرارها عن القوى الكبرى. ويستند هذا التوجه إلى تصور يرى أن قدرة الدولة على التأثير في الخارج تتصل بقوتها الاقتصادية والاجتماعية في الداخل، وبقدرتها على تنويع علاقاتها السياسية والتجارية.

لكن هذا المشروع يواجه تحديات جدية. خاصة أن فوز لولا لم ينهِ الاستقطاب السياسي، كما أن حصول منافسه على ما يقارب نصف الأصوات الصحيحة يكشف استمرار القوة الانتخابية للتيار المحافظ. لذا سيكون على حكومة لولا التعامل مع القيود المالية ومتطلبات النمو الاقتصادي والتوازنات البرلمانية، فضلا عن مسألة تجديد قيادة اليسار بعد سنوات من اعتماد حزب العمال على شخصية لولا.

وتنعكس هذه التحديات على السياسة الخارجية أيضا، إذ إن استمرار المواقف البرازيلية المؤيدة للحقوق الفلسطينية لن يتحدد بالخطاب الرئاسي وحده، بل بقدرة الحكومة على الحفاظ على هذا التوجه ضمن أولوياتها الدبلوماسية، وبمدى استعدادها لتحمل تبعاته السياسية والاقتصادية. فاستقلال القرار لا يعني تجاهل المصالح التجارية أو الدخول في مواجهة مفتوحة مع القوى الكبرى، بل يتطلب موازنة مستمرة بين المبادئ الوطنية والحقوقية وبين المصالح والقدرة الفعلية على التأثير.

فلسطين بوصفها اختبارا لاستقلال القرار البرازيلي

تقدم القضية الفلسطينية مثالا واضحا على هذا التداخل بين المبادئ والمصالح. فقد تبنت حكومة لولا مواقف تؤكد حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولة مستقلة، وانتقدت العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، ودعت إلى حماية المدنيين وإدخال المساعدات الإنسانية، ورفضت التهجير القسري والعقاب الجماعي. كما أكدت دعم حل الدولتين على أساس حدود عام 1967، مع القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية.

وتضع هذه المواقف البرازيل أمام سؤال يتجاوز الخلاف السياسي مع إسرائيل: إلى أي مدى تستطيع دولة ذات وزن اقتصادي ودبلوماسي أن تدافع عن موقفها عندما يتعارض مع توجهات قوى دولية مؤثرة؟ فالقضية الفلسطينية تتشابك فيها المصالح الأمنية والتحالفات العسكرية والحسابات الجيوسياسية، وهو ما يجعل المواقف المبدئية عرضة لاختبارات عملية تتجاوز حدود الخطاب السياسي.

ومن هذا المنطلق، يمثل استمرار لولا في الرئاسة فرصة للحفاظ على نهج دبلوماسي يربط القضية الفلسطينية بحماية المدنيين، ورفض التهجير القسري، واحترام القانون الدولي الإنساني، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات. إلا أن الموقف السياسي، مهما كانت أهميته، لا يتحول تلقائيا إلى ضغط فعال، إذ يتطلب ذلك تحالفات دولية وأدوات عملية وقدرة على متابعة القرارات والمبادرات.

من التضامن السياسي إلى المساءلة القانونية

يبرز التحرك البرازيلي أمام محكمة العدل الدولية بوصفه أحد المؤشرات المهمة على الانتقال من التصريحات إلى المسار القانوني. ففي سبتمبر 2025، أعلنت البرازيل انضمامها إلى القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. وتتيح هذه الخطوة للبرازيل المشاركة في المسائل المتعلقة بتفسير الاتفاقية، وفق الإجراءات والشروط القانونية ذات الصلة.

وتكمن أهمية هذا المسار في أنه ينقل النقاش بشأن القضية الفلسطينية إلى إطار الالتزامات القانونية للدول، بدل حصره في المواقف السياسية المتعارضة، حيث ان القانون الدولي يتيح للدول الأطراف في الاتفاقيات المعنية المشاركة، ضمن شروط محددة، في الإجراءات القضائية المتعلقة بتفسيرها، بما يفتح المجال أمام مناقشة مسؤوليات الدول والتزاماتها.

وتكمن أهمية هذا التحرك بالنسبة إلى الفلسطينيين في أنه يساهم في إبقاء القضية الفلسطينية ضمن نقاش قانوني يتعلق بالتزامات الدول، ويمنح المطالبات بالمحاسبة إطارا مؤسسيا يتجاوز التنافس السياسي. وسيكون من المهم متابعة ما إذا كانت الحكومة البرازيلية ستواصل دعم الإجراءات القانونية ذات الصلة، وستدفع باتجاه احترام القرارات القضائية، وستسعى إلى توسيع الدعم الدولي لحماية المدنيين الفلسطينيين.

البرازيل والجنوب العالمي: توسيع دائرة الدعم لفلسطين

لا تقتصر أهمية الموقف البرازيلي على علاقته بالقضية الفلسطينية، بل تمتد إلى موقع البرازيل ضمن دول الجنوب العالمي. البرازيل تمتلك علاقات مع دول في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وتشارك في أطر مثل مجموعة بريكس، ما يمنحها قنوات للتنسيق بشأن قضايا التنمية والتجارة والقانون الدولي وحقوق الشعوب.

ويمكن لهذا الموقع أن يساعد في توسيع دائرة الدعم الدبلوماسي للحقوق الفلسطينية، سواءا من خلال الأمم المتحدة أو المبادرات المشتركة بين الدول. كما يمكن أن يسهم في زيادة الضغط السياسي من أجل حماية المدنيين، وتسهيل المساعدات الإنسانية، ودعم إعادة إعمار غزة، وتعزيز المطالبة باحترام حق الفلسطينيين في تقرير المصير.

لكن بناء هذا الدور ليس أمرا تلقائيا، خاصة وأن دول الجنوب العالمي ليست كتلة سياسية متجانسة، كما أن عضوية الدول في بريكس لا تعني اتفاقها على جميع جوانب القضية الفلسطينية. وتختلف مواقف الحكومات وفق علاقاتها التجارية والأمنية وحساباتها الإقليمية وأولوياتها الداخلية. ولذلك، فإن قدرة البرازيل على التأثير ستعتمد على نجاحها في بناء توافقات عملية، لا على افتراض وجود جبهة موحدة مسبقا.

ومن منظور فلسطيني، يعني ذلك أن أهمية الدور البرازيلي لا يكمن فقط في المواقف التي يعلنها لولا، بل في قدرته على حشد دول أخرى لدعم خطوات محددة داخل المؤسسات الدولية، بحيث ان التنسيق الدبلوماسي والقانوني، عندما يقترن بمواقف متسقة وإجراءات قابلة للمتابعة، قد يوسع مساحة الضغط على الأطراف المعنية، حتى إن لم يكن كافيا بمفرده لتغيير الوقائع على الأرض.

 الولايات المتحدة وإسرائيل وحدود التأثير البرازيلي

تطرح العلاقة بين البرازيل والولايات المتحدة بعدا إضافيا في قراءة موقف لولا من فلسطين. الولايات المتحدة الأمريكية تؤدي دورا مركزيا في العلاقات العسكرية والدبلوماسية مع إسرائيل، وتمتلك نفوذا كبيرا في ملفات الشرق الأوسط. وفي المقابل، تسعى البرازيل إلى الحفاظ على استقلال قرارها الخارجي وتنويع علاقاتها الاقتصادية والسياسية.

غير أن استقلال القرار لا يعني بالضرورة الدخول في مواجهة شاملة مع الولايات المتحدة، كما أن انتقاد السياسات الإسرائيلية لا يعني تلقائيا تبني عقوبات جديدة أو قطع العلاقات الثنائية. فالحكومة البرازيلية تتحرك ضمن شبكة من المصالح الاقتصادية والتجارية والدبلوماسية، وعليها أن توازن بين مواقفها المعلنة وقدرتها الفعلية على التأثير.

ومن هذا المنطلق، فإن الأثر الأكثر واقعية لاستمرار لولا قد يتمثل في الحفاظ على موقف برازيلي مستقل داخل المؤسسات الدولية، ومواصلة الدعوة إلى احترام القانون الدولي والحقوق الفلسطينية، وتوسيع التنسيق مع الدول التي تتبنى مواقف متقاربة. أما القدرة على إحداث تغيير مباشر في السياسات الإسرائيلية أو الأمريكية، فستظل مرتبطة بموازين القوى الدولية ومدى استعداد الدول الأخرى لتحويل مواقفها إلى إجراءات.

القضية الفلسطينية ومستقبل اليسار في أمريكا اللاتينية

تتقاطع القضية الفلسطينية مع مستقبل اليسار في أمريكا اللاتينية من خلال سؤال جوهري: هل تستطيع الحكومات اليسارية الجمع بين معالجة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية داخل بلدانها والدفاع عن حقوق الشعوب خارج حدودها؟

إن استمرار لولا في الرئاسة يمنح القوى اليسارية والتقدمية في المنطقة شريكا مهما يدعم الحقوق الفلسطينية، لكنه يضعها أيضا أمام اختبار المصداقية، بحيث ان الدفاع عن الفلسطينيين يظل جزءا من تقييم السياسة الخارجية لهذه الحكومات، إلى جانب قدرتها على مكافحة الفقر والتفاوت الاقتصادي واحترام المؤسسات الديمقراطية داخل بلدانها.

ولا يعني ذلك أن الموقف من فلسطين يمكن أن يحل محل الأولويات الداخلية، أو أن جميع القوى اليسارية تتبنى سياسة خارجية واحدة. بل يكمن التحدي في الجمع بين تحسين الأوضاع المعيشية في الداخل والدفاع عن المبادئ القانونية والحقوقية في الخارج، من دون تحويل أي من المسارين إلى مجرد أداة خطابية.

وقد يتيح استمرار الحكومة البرازيلية مجالا أوسع للتنسيق الإقليمي بشأن القضية الفلسطينية، لكن نجاح هذا المسار سيعتمد على قدرة الحكومات المتقاربة على بناء مواقف عملية مستدامة، وعلى استعدادها لمواجهة الضغوط السياسية والاقتصادية التي قد تعترضها.

تأثير فوز الرئيس لولا الجديد على القضية الفلسطينية

يتطلب تقييم أثر فوز لولا على القضية الفلسطينية متابعة مجموعة من المؤشرات العملية؛ استمرار مشاركة البرازيل في المسارات القانونية الدولية ذات الصلة، ومواقفها وتصويتها داخل الأمم المتحدة، وطبيعة المبادرات التي تدعم حماية المدنيين وإيصال المساعدات وإعادة الإعمار، ومدى قدرتها على بناء تحالفات دبلوماسية أوسع، إضافة إلى مدى الاتساق بين خطابها السياسي وقراراتها الفعلية.

وتفصل هذه المؤشرات بين ثلاثة مستويات كثيرا ما يجري الخلط بينها: الموقف السياسي المعلن، والتحرك الدبلوماسي والقانوني، والنتائج الميدانية التي تتطلب تعاونا دوليا واسعا. فقد تتخذ دولة موقفا واضحا من الانتهاكات، لكنها لا تمتلك وحدها القدرة على وقفها، وقد تسهم في مسار قانوني مهم من دون أن يعني ذلك صدور حكم نهائي أو ضمان تنفيذه. لذلك، ينبغي تقييم الدور البرازيلي وفق ما يحققه فعليا، لا وفق التوقعات المحيطة بإعادة انتخاب لولا.

خاتمة

إن فوز الرئيس لولا دا سيلفا بولاية رئاسية رابعة يضمن استمرار حضور سياسي يساري في قيادة أكبر اقتصاد في أمريكا اللاتينية، ويفتح المجال أمام مواصلة النهج البرازيلي الداعم للحقوق الفلسطينية. لكنه لا ينهي الانقسام السياسي داخل البرازيل، ولا يضمن تجددا شاملا لليسار في القارة، ولا يغير وحده موازين القوى المرتبطة بالقضية الفلسطينية.

وتكمن أهمية العلاقة بين البرازيل وفلسطين في أنها تتجاوز حدود التضامن السياسي، لتطرح سؤالا عمليا عن قدرة الدول ذات الوزن الإقليمي على تقليص الفجوة بين المبادئ القانونية والواقع الميداني. فالبرازيل تستطيع الإسهام في توسيع الدعم الدبلوماسي والقانوني للفلسطينيين، لكنها لا تستطيع بمفردها إنهاء الاحتلال أو فرض تسوية سياسية.

وبالنسبة إلى الفلسطينيين، يوفر استمرار لولا فرصة لمواصلة دعم دبلوماسي وقانوني مهم، لكنه لا يشكل ضمانة لتحقيق تغيير ميداني. وستتحدد القيمة الحقيقية لهذا الدعم بمدى قدرة الحكومة البرازيلية على تحويل مواقفها إلى مبادرات ملموسة، وتوسيع التحالفات الدولية، والإسهام في حماية المدنيين وتعزيز المساءلة واحترام حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير. وعند هذه النقطة، يصبح فوز لولا أكثر من حدث انتخابي برازيلي ليكون  اختبارا لمدى قدرة السياسة الخارجية على تحويل مبادئ العدالة إلى خطوات قابلة للقياس.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى