Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
منشورات وإصداراتمقالات

اسواق الطاقة بين خطاب ترامب ومضيق هرمز

في غضون 48 ساعة فقط، انقلبت معادلات أسواق الطاقة العالمية رأساً على عقب ليس مرة واحدة، بل مرتين. فبعد أن سجلت أسعار النفط قمماً تاريخية قاربت 120 دولاراً للبرميل مع تصاعد العمليات العسكرية في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز، هوت الأسعار بأكثر من 6% لتعود إلى مستويات 92 دولاراً لخام برنت إثر خطاب للرئيس الأميركي ألمح فيه إلى قرب انتهاء العمليات.
هذا التأرجح الدراماتيكي لا يعكس مجرد تقلبات يومية عادية، بل يكشف عن هشاشة الأساس الذي تقوم عليه التسعيرة الحالية للنفط، والتي باتت رهينة ليس فقط للأحداث الميدانية، بل للدورة الانتخابية الأميركية وخطاب سياسي يمكنه محو 15 دولاراً من سعر البرميل في دقائق.
و لتحليل المشهد الحالي علينا تفكيك دقيق للعلاقة الجدلية بين علاوة المخاطر الجيوسياسية وأساسيات العرض والطلب الفعلية، ليساعدنا في بناء تقدير للمستقبل يمتد لأشهر لا لأيام.
اللبنة الأولى في هذا التحليل تتمثل في فهم طبيعة الصدمة الحالية. قبل أيام قليلة، كان السوق يراهن على السيناريو الأسوأ، حيث أدى التوقف الفعلي لحركة الناقلات في مضيق هرمز -الذي ينقل عادة 20% من تجارة النفط العالمية- إلى حالة من الذعر الشرائي رفعت الأسعار بأكثر من 15% في جلسات قليلة . لكن نظرة فاحصة إلى الأرقام الإجمالية تكشف أن السوق كان في حالة تخمة قبل اندلاع الأزمة، فالوكالة الدولية للطاقة تشير إلى أن المخزونات العالمية بلغت مستويات قياسية، وهي كمية تكفي نظريا لتغطية انقطاع كامل لإمدادات المضيق لفترة تتجاوز العام. وهنا يكمن الفارق الجوهري بين تحليل الخبراء واجتهادات الهواة: الارتفاع السابق كان مدعوم بعلاوة مخاطر نفسية هشة، والانهيار اللاحق هو تصحيح عنيف أعاد السوق إلى مدار أساسيات العرض والفضل، التي تشير كلها إلى وفرة في المعروض خلال 2026.
تقرير صادر عن وكالة فيتش للتصنيف الائتماني يؤكد أن نمو المعروض النفطي سيبلغ 2.4 مليون برميل يوميا في العام الجاري، مقابل نمو في الطلب لا يتجاوز 0.8 مليون برميل، مع وجود طاقة إنتاجية فائضة لدى تحالف أوبك+ تصل إلى 4.3 مليون برميل يوميا. هذه الأرقام تعني أن السوق يدخل مرحلة من الوفرة المادية التي تجعل أي صدمة سعرية مؤقتة قابلة للامتصاص، شريطة ألا تتحول الأزمة إلى حرب إقليمية شاملة تطال البنية التحتية للإنتاج في دول الجوار.
لكن السؤال الأكثر إلحاحا يتعلق بطبيعة المرحلة المقبلة، والتي تمتد تقديراتها إلى نهاية العام الجاري وربما منتصف 2027. هنا يجب الانتقال من التحليل اللحظي إلى بناء سيناريوهات استراتيجية قابلة للترجيح الكمي. بنك إتش إس بي سي يقدم في أحدث أبحاثه تصنيف ثلاثي للمستقبل، يبدأ بسيناريو الاحتواء المحدود الذي يعتبره الأكثر ترجيحا (بنسبة 60%)، حيث تبقى الاشتباكات محدودة ولا تمتد لشهور، وفي هذه الحالة ستعود الأسعار إلى نطاق 65-70 دولاراً مع تراجع علاوة المخاطر وعودة التركيز على تخمة المعروض . هذا السيناريو يستند إلى افتراض أن جميع الأطراف، بما فيها الولايات المتحدة ودول الخليج، لديها حوافز قوية لتجنب صدمة نفطية طويلة قد تعيد إشعال التضخم وتعطل النمو العالمي. بنك أوف أميركا يذهب إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن أي ارتفاع إضافي في الأسعار لن يتجاوز 10-15 دولاراً في أحسن الأحوال، لأن السوق يمتلك أدوات استيعابية ضخمة . حتى بنك جي بي مورغان، الذي يعد من أكثر البنوك حذرا، يبقي على توقعاته الأساسية لسعر النفط عند 60 دولاراً للنصف الثاني من العام، معتبرا أن ما يحدث هو “حدث إقليمي” ما لم تمتد التداعيات إلى منشآت الإنتاج نفسها .
أما السيناريو الثاني، وهو الأخطر على المدى المتوسط، فيتمثل في تحول الصراع إلى حرب استنزاف تطول لشهور مع إغلاق متقطع للمضيق. في هذه الحالة، يتوقع إتش إس بي سي ارتفاعات تدريجية قد تصل بالأسعار إلى نطاق 80-90 دولار، مع تداعيات تضخمية ملموسة على الدول المستوردة للطاقة، خاصة في أوروبا وآسيا . لكن حتى في هذا السيناريو، تبقى هناك حدود قصوى للارتفاع، فالاحتياطيات الاستراتيجية الضخمة لدى الصين والهند (التي تستورد معاً أكثر من 60% من نفط الخليج) قادرة على تخفيف الصدمة لفترة ليست قصيرة. إضافة إلى ذلك، فإن الدولار القوي يلعب دور مثبط للأسعار، حيث ارتفع المؤشر الدولي للدولار إلى أعلى مستوياته في 14 أسبوعاً، مما يعني أن المستثمر المؤسسي في أوقات الذعر لا يشتري الذهب فقط، بل يشتري العملة الأميركية كأصل سيادي بامتياز .
الخطر الحقيقي الذي يراه المحللون في بنوك الاستثمار الكبرى لا يتمثل في انهيار الأسعار أو ارتفاعها، بل في حالة “عدم اليقين التام” التي تجعل التخطيط طويل الأجل عملية مستحيلة. شركة إنتركابيتال إنيرجي للاستشارات تصف وضع السوق بأنه “شد حبل كامل”، حيث يمكن أن نشهد ارتفاع جديد إذا تجددت الاشتباكات، أو انخفاض إضافي إذا ظهرت مبادرات دبلوماسية حقيقية. جي بي مورغان يحذر من أن المستثمرين الذين ينتظرون فرصة للدخول إلى السوق يحتاجون إلى توفر ثلاثة شروط على الأقل: تقييمات متطرفة ناتجة عن انخفاضات حادة، أو تهدئة ملموسة في العناوين الإخبارية، أو مرور وقت كاف لتهدئة التوترات، وهي شروط غير متوفرة في الوقت الحالة .
على صعيد آخر، كشفت التطورات الأخيرة عن تباين واضح في أداء السلع الأخرى. الفضة قد تكون الرابح الأكبر إذا طال أمد الأزمة، فالطلب الصناعي عليها في ازدياد مضطرد بسبب ثورة الطاقة الشمسية والذكاء الاصطناعي، وأي تعطيل للإنتاج العالمي سيفاقم العجز الهيكلي المتوقع أن يصل هذا العام إلى 95 مليون أونصة، وهو العام السادس على التوالي من العجز . هذا يعني أن الفضة لم تعد مجرد ملاذ آمن تقليدي، بل أصبحت سلعة استراتيجية مرتبطة بثورة الطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة.
في محاولة لتقدير الموقف الراهن، يمكن بناء إطار استثماري واضح للمرحلة المقبلة: إذا تحقق سيناريو الاحتواء، فإن الفرصة ستكون في الأسهم المرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، خاصة في كوريا الجنوبية التي تحتل موقع مركزي في سلسلة توريد الرقائق على مستوى العالم. أما إذا طال أمد التوتر، فإن التحوط المنضبط عبر الذهب والفضة سيكون الخيار الأذكى، مع تجنب الأسواق الأوروبية شديدة الحساسية لأسعار الطاقة. وفي جميع الأحوال، يبقى الدولار هو الحاكم الفعلي للمشهد، فرغم كل التقلبات، أثبت مجددا أنه رغم كل المتغيرات، لا يزال صاحب الكلمة العليا في إعادة تسعير المخاطر العالمية.
النصيحة التي تقدمها بيوت الخبرة الكبرى لعملائها اليوم تتلخص في عبارة واحدة: لا ترهن استراتيجيتك للتقلبات اليومية، واحتفظ بسيولة كافية تمكنك من اقتناص الفرص عندما تستقر الصورة، فالأسواق المالية تميل دائما إلى معاقبة من يقرر تحت ضغط الخوف، ومكافأة من ينتظر حتى ينقشع الغبار، وهنا نتذكر ما قام به الملياردير صاحب النظرة الثاقبة وارن بافيت قبل اشهر من تسييل معظم محافظه الاستثمارية والاحتفاظ بسيولة ضخمة.

دكتور طارق عاشور

أستاذ زائر للاقتصاد في جامعة بيرزيت، وباحث اقتصادي في معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي. متخصص في سياسات المالية العامة والاقتصاد الكلي، وله أبحاث منشورة تركز على تحليل التحديات الهيكلية للاقتصاد الفلسطيني، بما في ذلك السياسات المالية، وأسواق العمل، وأثر الاحتلال على الأداء الاقتصادي والتنمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى