كيف صنعت الفكرة دولة… ولم يصنع الحق دولة؟

بقلم: م. معتصم حميدة
باحث في العلاقات الدولية
في بازل عام 1897 لم تكن هناك دولة إسرائيل، ولا حكومة ولا حدود ولا سيادة، بل كان هناك مشروع سياسي يعرف غايته، وتنظيم يبني أدوات الوصول إليها، وبعد المؤتمر كتب ثيودور هرتسل في يومياته، بما معناه: «في بازل أسست الدولة اليهودية» لم تكن الدولة قد قامت، لكن الفكرة بدأت تتحول إلى قدرة على صناعتها.
بعد أكثر من قرن، تبدو المفارقة الفلسطينية أقسى. نحن لم نبدأ بفكرة تبحث عن وطن ، كنا شعبا على وطن، كانت الأرض والمجتمع والذاكرة والهوية موجودة، ثم انتهى جزء كبير من أهل البلاد، بعد نكبة 1948، إلى اللجوء، وأمضى الفلسطيني عقودا يحاول استعادة حق أصيل وهو أن يعترف به العالم شعبا، وأن يقرر مصيره ويقيم دولته على أرضه.
فكيف تحولت فكرة إلى دولة، بينما بقي حق تاريخي وقانوني، يحمله شعب وتعترف به أغلبية دول العالم، من دون سيادة فعلية؟
لا أطرح السؤال للمفاضلة الأخلاقية بين مشروع استيطاني استعماري وشعب تعرض للاقتلاع من أرضه. فقيام إسرائيل لم يكن ثمرة التنظيم وحده، بل جاء في سياق استعماري، واستفاد من وعد بلفور والانتداب البريطاني والهجرة والاستيطان والدعم الدولي الواسع، وفي مقدمته الدعم الأميركي، كما استند إلى القوة المسلحة والتهجير وفرض واقع ديمغرافي وجغرافي جديد، لكن الحركة الصهيونية لم تنتظر الدولة حتى تبني أدواتها،إنما بنت قبلها المؤسسات والتمويل والعلاقات والقوة المنظمة.
هنا، في تقديري، يقع الفرق. فالقوة السياسية لا تقاس بعدد الأدوات، بل بما تستطيع أن تفعله، وبجعل كل مكسب يمهد لما بعده.
في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947 أوصت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في القرار 181، بتقسيم فلسطين إلى دولة عربية وأخرى يهودية، مع وضع دولي خاص للقدس. وبعد أشهر قامت إسرائيل، بينما لم تقم الدولة العربية الفلسطينية ذات السيادة الفعلية التي تصورها القرار. ثم جاءت النكبة، وأصبح القرار 194 مرجعا لقضية اللاجئين وعودتهم وتعويضهم، وبين القرارين يظهر أقسى تحول في تاريخنا، من شعب كان يفترض أن تقوم له دولة، إلى شعب أصبح العالم يناقش مصير لاجئيه.
لهذا كان إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 أكثر من مؤسسة سياسية. فقد أعادت جمع الفلسطيني سياسيا، ونقلته من موضوع تتحدث عنه الدول إلى فاعل يتحدث باسم نفسه، ومع انتخاب ياسر عرفات رئيسا للجنة التنفيذية عام 1969، تعزز القرار الوطني المستقل، ثم أكد القرار 3236 عام 1974 حقوق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والاستقلال والسيادة، وأعلن استقلال دولة فلسطين عام 1988، وصولا إلى صفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة عام 2012.
نجحت الحركة الوطنية الفلسطينية في تثبيت شرعية الدولة، لكن النظام السياسي لم يحولها إلى قدرة تصنع السيادة، أسمي هذه الحالة «فجوة التحويل السيادي» أي أن يمتلك الشعب الحق والاعتراف، بينما تعجز القيادة والمؤسسات والفصائل عن تشغيلهما ضمن قرار موحد واستراتيجية تتراكم نتائجها.
يبقى الاحتلال العامل البنيوي الأول، فهو يسيطر على الأرض والحدود والموارد، ويوسع الاستيطان مستفيدا من تفوقه العسكري والاقتصادي. لذلك لا يجوز أن يتحول نقد الأداء الفلسطيني إلى إعفاء الاحتلال أو النظام الدولي من مسؤوليتهما.
ولا يصح وضع الدول العربية والإسلامية في سلة واحدة، فقد تفاوتت مواقفها، وقدم كثير منها دعما مهما لفلسطين. لكن ثقلها ومواردها بقيا موزعين، من دون تنسيق يحولهما إلى نفوذ يجعل انتهاك الحقوق الفلسطينية أكثر كلفة.
وتكشف الوقائع حدود الشرعية، ففي تموز/يوليو 2024، خلصت محكمة العدل الدولية، في رأي استشاري، إلى عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة وضرورة إنهائه بأسرع ما يمكن، وأيد 12 عضوا مشروع توصية بقبول فلسطين عضوا كاملا، لكنه سقط بالفيتو الأميركي.
وأكد مجلس الأمن في القرار 2334 لعام 2016 أن المستوطنات لا تتمتع بأي شرعية قانونية، ومع ذلك استمرت في التوسع، ولكي لا يبقى الحكم على الورق، يجب أن ينعكس على التجارة والاستثمار والتسليح، وأن تخضع الجهات التي تمول الاستيطان أو تستفيد منه للمساءلة. فالأرض تتغير أسرع مما تتحول الشرعية الدولية إلى فعل.
لكن تحميل العالم المسؤولية وحده نصف الحقيقة، فقد أُنشئت السلطة لمرحلة انتقالية، لكن المؤقت امتد أكثر من ثلاثة عقود. وعام 2007 نفذت حماس انقلابا مسلحا على السلطة الفلسطينية وسيطرت على قطاع غزة، فانقسمت الجغرافيا والسلطة والقرار، وتعمق انقسام المشروع الوطني.
وكشفت عملية السابع من أكتوبر 2023، التي نفذت بقرار فصائلي منفرد، وما تبعها من حرب إسرائيلية مدمرة، أن من يملك قرار الفعل لا يملك بالضرورة مساره أو نتائجه، وبات مستقبل غزة يناقش إقليميا ودوليا، فقد رحب القرار 2803 لعام 2025 بتشكيل «مجلس السلام» إطارا انتقاليا، إلى جانب لجنة فلسطينية للإدارة اليومية. وتمتد تفويضات المجلس والوجود الدولي حتى نهاية 2027، ما لم يتخذ مجلس الأمن إجراء آخر.
الخطر أن تتجاوز هذه الترتيبات الإرادة الفلسطينية وتفرغ حق تقرير المصير من مضمونه، فتفتح الباب أمام صيغة تشبه، في وظيفتها، وصاية مندوب سام جديد. لذلك يجب أن يخضع أي دور دولي لمرجعية فلسطينية موحدة تقود إلى إنهاء الاحتلال، لا إلى إدارة نتائجه.
ولعل أخطر ما أصاب المشروع الوطني ليس تعثر قيام الدولة، بل نجاحنا في بناء منظومة تستطيع الاستمرار من دونها. فالمرحلة الانتقالية، إذا طال أمدها، تنتج مصالح وآليات بقاء، ويتغير السؤال من: كيف ننهيها؟ إلى كيف نديرها؟
المطلوب ليس هدم المؤسسات، بل استعادة وظيفتها وشرعيتها بالانتخابات، وتفعيل مؤسسات منظمة التحرير وتجديد تمثيلها لجمع الفلسطينيين في الوطن والشتات. فالسلطة أداة للدولة لا بديل عنها. وتبدأ الاستعادة بخطة وطنية موحدة توزع الوظائف بين الدبلوماسية والقانون والعلاقات العربية والمقاومة الشعبية، وتضع لكل مسار هدفا قابلا للقياس. ولا يستقيم ذلك دون مشاركة الشباب والمرأة وربط الداخل بالشتات ضمن قرار وطني موحد. فالشعب ليس صاحب الحق فقط، هو مصدر الشرعية والفاعل القادر على حمايتها.
التاريخ الفلسطيني لم يفشل في إنتاج الشرعية، فشل النظام السياسي في عبور المسافة بينها وبين السيادة. فمقومات القوة موجودة: الحق والمؤسسات والاعتراف والحلفاء، لكنها متفرقة ولا تصنع قوة. تبدأ القوة عندما يتحول الاعتراف إلى نفوذ، والنفوذ إلى كلفة، والكلفة إلى تغيير في الحسابات، فتقترب الدولة من أن تصبح واقعا لا وعدا.
ويبقى الزمن جزءا من المعادلة. استخدم المشروع الصهيوني الزمن لبناء المؤسسات والعلاقات وفرض الوقائع، بينما تحول فلسطينيا إلى انتظار مبادرة أو مفاوضات أو إدارة أميركية أو مرحلة انتقالية لا تنتهي. الفارق ليس في مرور الزمن، بل فيمن يستطيع تحويله إلى تراكم سياسي.
بعد أكثر من قرن، لم يعد السؤال إن كان للفلسطيني حق في دولته؛ فقد أجاب التاريخ والقانون والعالم عن ذلك مرارا.
السؤال الذي لم نجب عنه بعد هو:
كيف نحول قوة الحق إلى قوة قادرة على صنع واقعه؟




