هندسة الشرعية السياسية في إسرائيل: مناورة آيزنكوت وإعادة تشكيل معادلة الحكم

د. سعيد محمد ابو رحمه
لا يمكن قراءة مبادرة غادي آيزنكوت لتشكيل حكومة طوارئ وطنية باعتبارها مجرد محاولة لتجميع قوى المعارضة وإيجاد بديل حكومي لبنيامين نتنياهو، بل تمثل تحركاً سياسياً يستهدف إعادة صياغة قواعد المنافسة على السلطة في إسرائيل، ونقل المواجهة من إطار الصراع الحزبي إلى إطار المسؤولية الوطنية والأمنية. فآيزنكوت لا يسعى فقط إلى إنهاء حكم نتنياهو، وإنما يحاول إعادة تعريف الشرعية السياسية للحكومة المقبلة، من خلال تقديم رحيل نتنياهو باعتباره ضرورة تتجاوز الحسابات الانتخابية ومصالح الأحزاب، وترتبط بمراجعة أداء القيادة الإسرائيلية في أعقاب السابع من أكتوبر وتداعيات الحرب والانقسامات الداخلية التي كشفتها.
ويستند هذا الطرح إلى استحضار تجربة حكومة الوحدة الوطنية عام 1984 بين شمعون بيريز وإسحاق شامير، عندما فرضت الأزمات الاقتصادية والأمنية تجاوز الخلافات الحزبية وتشكيل حكومة واسعة قائمة على تقاسم السلطة. لكن استدعاء هذه التجربة لا يعني تطابق الظروف، بقدر ما يوفر غطاءً سياسياً لفكرة أن المرحلة الراهنة تستدعي صيغة حكم تتجاوز الاستقطاب التقليدي. كما تبدو تجربة حكومة التغيير عام 2021 حاضرة في حسابات آيزنكوت، خصوصاً أن تلك الحكومة، رغم نجاحها في إنهاء حكم نتنياهو، ظلت تواجه تحديات تتعلق بضيق أغلبيتها وتناقضاتها الأيديولوجية واعتمادها على دعم القائمة العربية الموحدة. ومن هنا يمكن فهم حرص آيزنكوت على تقديم مبادرته بوصفها حكومة وطنية ذات قاعدة يهودية وصهيونية واسعة، لتقليل قدرة اليمين على التشكيك في شرعيتها من خلال توظيف مسألة الاعتماد على الأحزاب العربية.
وتحمل مفردتا الطوارئ والوطنية دلالات تتجاوز التوصيف السياسي؛ فالأولى تنقل النقاش من سؤال من يحكم إلى سؤال المسؤولية عن مواجهة الأزمات، والثانية تستهدف توسيع دائرة التأييد وإحراج القوى التي قد ترفض المشاركة في حكومة تقدم نفسها باعتبارها ضرورة وطنية. وبهذا يحاول آيزنكوت احتكار مساحة سياسية تتجاوز حزبه، واستقطاب شخصيات من الوسط واليمين والليكود، عبر صياغة مبادئ عامة يصعب على القوى الصهيونية الرئيسية رفضها علناً، تتعلق بيهودية الدولة وديمقراطيتها، والتمسك بوثيقة الاستقلال، والتجنيد الشامل، وتفكيك حماس.
غير أن هذه المبادئ رغم قدرتها على توفير أرضية مشتركة، تخفي خلافات عميقة بشأن كيفية تطبيقها؛ فالتجنيد الشامل يصطدم بمصالح الأحزاب الحريدية، بينما تضع قضايا الديمقراطية والعلاقة بين الدين والدولة شركاء اليمين أمام تناقضات سياسية وأيديولوجية، في حين يعكس التمسك بتفكيك حماس استمرار مركزية المقاربة الأمنية والعسكرية في التصور الإسرائيلي لمستقبل الصراع.
وتكتسب المبادرة زخماً إضافياً من حصول آيزنكوت على توصيات 67 عضواً في الكنيست مقابل 46 لنتنياهو، وهو ما منحه تفويضاً سياسياً ومعنوياً للمطالبة بتشكيل الحكومة، لكنه لا يعني امتلاكه ائتلافاً جاهزاً وقادراً على نيل الثقة. فهناك فارق جوهري بين الاتفاق على منع نتنياهو من العودة إلى الحكم والاتفاق على منح آيزنكوت قيادة الحكومة المقبلة. وهذه هي المعضلة الأساسية التي تواجهه؛ إذ تضم الكتل التي أيدته قوى متباينة في توجهاتها ومصالحها، وقد تتفق على استبعاد نتنياهو، لكنها تختلف حول رئاسة الحكومة وتوزيع الحقائب السيادية وترتيبات تقاسم السلطة والبرنامج السياسي والأمني. ولذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في جمع التوصيات، بل في تحويلها إلى اتفاق سياسي وبرلماني قابل للاستمرار.
وتبرز قضية التجنيد باعتبارها إحدى أكثر نقاط الاختبار حساسية، إذ يجد آيزنكوت نفسه أمام معادلة صعبة بين الالتزام بمبدأ المساواة في تحمل الأعباء، وهو مطلب أساسي لدى قطاعات من الجمهور الإسرائيلي وأحزاب المعارضة، وبين استقطاب الأحزاب الحريدية التي ترتبط مصالحها السياسية باستمرار امتيازات الإعفاء من الخدمة العسكرية. فأي تنازل في هذا الملف قد يضعف تماسك معسكره ومصداقيته، بينما يؤدي التشدد إلى تضييق فرص التفاهم مع الأحزاب الدينية. وتزداد هذه المعضلة تعقيداً مع طموحات يائير لبيد وبيني غانتس وأفيغدور ليبرمان، وحسابات كل طرف بشأن موقعه في الحكومة المقبلة، ما يجعل التنافس على القيادة وتوزيع النفوذ عاملاً لا يقل أهمية عن الخلافات الأيديولوجية.
وفي المقابل تمثل العلاقة مع الأحزاب العربية مفارقة سياسية في مشروع آيزنكوت؛ فهو يستفيد من التوصيات التي قدمتها هذه الأحزاب، لكنه يسعى إلى تجنب تحويلها إلى شراكة حكومية مباشرة، حفاظاً على صورة الائتلاف باعتباره حكومة ذات أغلبية يهودية وصهيونية. وهذا يكشف استمرار الإشكالية المتعلقة بمكانة المواطنين العرب وحدود مشاركتهم في صناعة القرار الإسرائيلي، كما يوضح أن مفهوم الوحدة الوطنية المطروح لا يتجاوز بالضرورة الانقسامات القومية والسياسية داخل المجتمع الإسرائيلي، وإنما يسعى إلى إعادة ترتيبها ضمن حدود الإجماع الصهيوني الذي يريد آيزنكوت بناء حكومته على أساسه.
ومن أبرز أبعاد المناورة محاولة نقل الصراع إلى داخل حزب الليكود، عبر فتح المجال أمام شخصيات وقيادات فيه للانضمام إلى حكومة جديدة من دون نتنياهو. فالمبادرة لا تستهدف المعارضة وحدها، بل تخاطب أيضاً القوى التي قد ترى أن استمرار نتنياهو بات عبئاً سياسياً على الحزب. وفي المقابل، يحاول نتنياهو استيعاب هذا التحدي من خلال طرح فكرة حكومة وحدة وطنية تحافظ على موقعه وشركائه، بما يجعل الخلاف بين الطرفين يتجاوز شكل الحكومة إلى من يمتلك حق تعريف الوحدة الوطنية وشروطها. فبينما يسعى نتنياهو إلى إبقاء الوحدة تحت قيادته، يحاول آيزنكوت فصل مفهومها عن شخصه، وتقديم بديل يقوم على استبعاد نتنياهو وحلفائه الأكثر تشدداً.
وتكمن أهمية هذه التحولات بالنسبة للفلسطينيين في ضرورة عدم الخلط بين تغيير القيادة السياسية الإسرائيلية واحتمال حدوث تغيير جوهري في السياسات تجاه غزة والضفة الغربية. فالمبادئ التي يطرحها آيزنكوت، وخصوصاً تفكيك حماس وتعزيز مفهوم الأمن القومي والتجنيد الشامل، لا تشير بحد ذاتها إلى مراجعة سياسية للموقف الإسرائيلي من الحقوق الفلسطينية أو الانتقال نحو تسوية للصراع. ومن ثم فإن تشكيل حكومة جديدة قد يؤدي إلى إعادة توزيع المسؤوليات وتغيير أساليب إدارة الملفات الأمنية والسياسية، لكنه لا يعني بالضرورة تغيير الأهداف الاستراتيجية أو إنهاء السياسات القائمة تجاه الفلسطينيين. وهذا ما يستدعي قراءة أي تحول في بنية الحكم الإسرائيلي انطلاقاً من برنامجه وممارساته الفعلية، وليس فقط من اختلاف أسماء القيادات أو طبيعة التحالفات الحزبية.
تمثل مبادرة آيزنكوت محاولة لإعادة هندسة الشرعية السياسية في إسرائيل، من خلال بناء إطار وطني واسع يتيح تجاوز نتنياهو وإعادة تجميع قوى متباينة حول مبادئ مشتركة، لكنها تصطدم بتناقضات تتعلق بالتجنيد والحريديم والأحزاب العربية والزعامة وتقاسم السلطة. ولذلك فإن حصوله على أغلبية التوصيات يمثل بداية اختبار سياسي وبرلماني، وليس ضمانة لتشكيل حكومة مستقرة. فالمواجهة الحقيقية تدور حول قدرة آيزنكوت على تحويل التفويض المعنوي إلى أغلبية حاكمة، وقدرة نتنياهو على الحفاظ على تماسك معسكره وإفشال محاولات تفكيكه. وبين المسارين، لا يتعلق الأمر فقط بمن سيترأس الحكومة المقبلة، بل بمن يستطيع إعادة تعريف المصلحة الوطنية الإسرائيلية واحتكار خطاب الأمن والاستقرار والمسؤولية عن مستقبل الدولة.




